الكفاح العربي
إذا كان العام 2008 أقفل على زيارة العماد ميشال عون الى سوريا واستقباله كزعيم مسيحي مشرقي، بعد عقدين من الخصومة، فإن العام 2009 أقفل على زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري واستقباله من قبل الرئيس بشار الأسد بحفاوة وود بالغين بعد أربع سنوات من العداء المستحكم. وما بين الزيارتين أمضى الرئيس بشار العام 2009 وهو يحصد نتاج صموده المذهل لسبع سنين كانت الأخطر في تاريخ سوريا والمنطقة. فالهدوء والروية وعدم الاستعجال في توقع النتائج، بمعنى القيام بعمل اليوم وحصد النتائج بعد سنوات طويلة، مبدأ تعلمه بشار الأسد من والده الرئيس حافظ الأسد، وكان له وفياً.
عندما تسلم بشار الأسد سدة الحكم في سوريا في العام 2000 ، كان الرهان صعباً ومحيراً على قدرة طبيب العيون الشاب على حمل تركة ثقيلة من الملفات الداخلية التي تندرج تحت تصنيف “الإصلاح” اقتصادياً سياسياً قانونياً تربوياً تعليمياً… الى ملفات تتقاطع جميعها مع ملف واحد وهو الأكثر ثقلا: الفساد. أمام الأكوام من الملفات الشائكة والخطرة، كانت الأنظار مشدودة إلى بشار الأسد وإلى برنامج الإصلاح الذي أطلقه بالتزامن مع حملة لمكافحة الفساد، الأمر الذي حول سوريا حينها إلى ورشة كبيرة لصناعة الأمل. بدت الأمور وكأنها تسير بسرعة لتحقيق التغيير المنشود، لكن وما أن أعلن الرئيس الاميركي جورج بوش حربه العالمية الاستباقية على الإرهاب عقب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ، حتى بدا أن الأهواء الدولية سوف تثقل فترة حكم بشار الأولى بتحديات جديدة، على حساب برنامج التغيير الداخلي. ومع بدء التحشيد الاميركي لغزو العراق، بدأت معالم التحديات الصعبة تتضح، حين رفض بشار الأسد بخلاف مواقف قوى دولية وإقليمية عربية الوقوف مع أميركا في احتلالها للعراق. كان رفض الأسد تلك الحرب مبنياً على أن الثمن الذي سيترتب على تأييد الحرب أكبر بكثير من الثمن الذي سيترتب على رفضها.
دخلت الدبابات الاميركية العراق، لتصبح أكبر قوة عسكرية دولية على تخوم الحدود الشرقية لسوريا، بالتوازي مع تصعيد التهديدات باحتلال سوريا وقلب نظام الحكم، فقد سبق ان حذرت اميركا الأسد من انه إذا هو لم يسر في ركابها فسوف يدفع الثمن، لكنه رد بقوله: “ستربحون الحرب وتغرقون في الرمال وستنطلق المقاومة”. هم راهنوا على قوتهم وهو راهن على المقاومة وعلى الواقع التاريخي والجغرافي. انطلقت المقاومة. ولم تهنأ القوات الاميركية ساعة واحدة في العراق. أما الأسد فكان عليه تسديد الثمن وكانت البداية إحكام الطوق على سوريا، من خلال إصدار إدارة الرئيس بوش قانون محاسبة سوريا على خلفية وجودها في لبنان، وفرض عقوبات اقتصادية صارمة عليها ومن ثم فتح الساحة اللبنانية كمصدر لتهديد أمن واستقرار النظام في دمشق.
في هذه الأجواء صدر القرار 1559، في العام 2004 ، الذي يلزم سوريا بالانسحاب من لبنان، وفي العام 2005، اتخذت الأحداث مساراَ تصاعدياً بتضييق الخناق على سوريا، التي جرى وضعها في قفص الاتهام الدولي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصارت في مواجهة ليس فقط اميركا المرابطة على حدودها، وإنما المجتمع الدولي كدولة مارقة. ولعل 2005 كان الحاجز الأصعب الذي يترتب على بشار الأسد تجاوزه، إذ عقدت رهانات الغالبية الدولية على انهيار النظام السوري بمجرد الانسحاب من لبنان، وراحت وسائل الإعلام تروج لسوق أركان النظام الى السجون، في ضخ إعلامي يصب في إطار “الحرب النفسية”، وهي الطريقة التي طبقتها اميركا في العراق، حيث نجحت في إسقاط بغداد إعلامياً قبل انتهاء المعركة.
الأمر كان مختلفاً مع سوريا، فتلك الحرب الإعلامية الضروس التي شنت عليها كان لها مفعول عكسي لدى الشعب، فازداد تماسكاً والتفافاً حول القيادة السياسية وشخص الرئيس، كرمز للصمود ومقاومة الأطماع الاميركية، التي لم تجلب الى المنطقة سوى الدمار. كانت عين الشعب على العراق الذي يقدم كل يوم عشرات الأدلة والبراهين على قذارة الحرب الاميركية، ليكون الخوف من مصير مشابه دافعا كافيا للاستبسال ضد مساعي اميركا في المنطقة، ليكون الحرص على الأمن والاستقرار أولا ، ولم يكن هذا عبثاً، وثبت أنه حصن سوريا ونظامها ضد الهجمة الخارجية الشرسة.
محنة 2005 وما شهده العام من تحقيقات دولية تتعلق باغتيال الحريري ، جعلت الأسد أكثر ثقة بنفسه وبشعبيته وبشعبه، فتمسك بمواقفه في لعبة المسافات الطويلة، مراهناً على فشل سياسات إدارة بوش في المنطقة، كونها تغفل الواقع على الأرض. ثلاث سنوات من الضغط الاميركي المتواصل والمتصاعد، الذي واكبه عزل أوروبي وعربي إلى حد ما، حاول خلالها الأسد خرقها بالاقتصاد تارة من خلال تنشيط التبادل في سوريا مع دول الخليج، وتارة بالسياسة، والدعوة إلى الحوار، منطلقاً من إيمان عميق بأنه لا يمكن تجاوز دور سوريا في المنطقة، وهو ما كان يعززه بنسج حزام أمان عبر التحالف مع تركيا على أرضية المصالح المشتركة، وتجاوز الخلافات التاريخية، بمعنى تأجيلها إلى أن يتم حلها بالحوار، وأيضاً تعزيز التحالف مع الدول الممانعة وفي مقدمها إيران رافعا وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين، الساحتين الملتهبتين، شعار تلازم طلب السلام مع دعم المقاومة. وعلى الصعيد العربي طور علاقاته مع قطر الراغبة في لعب دور على المستوى العربي.
وبدأت المعادلة تنقلب لمصلحة سوريا. عندما أعلن الأسد انسحاب جيشه من لبنان، وجرى ذلك بسرعة قياسية مذهلة، في نيسان 2005 توقع الكثيرون انهيار النظام السوري، وخراباً اقتصادياً واجتماعياً جراء عودة آلاف العاملين السوريين من لبنان، لكن ما جرى كان العكس. النظام ازداد ممانعة وصلابة، والعقوبات الاقتصادية الدولية التي فرضت على سوريا جعلت الرساميل السورية تعود من الخارج لتتدفق على المصارف المحلية، في مواكبة نشاط استثمار عربي رأى في سوريا البلد الأقرب إلى العراق والذي يمكن أن يكون في المستقبل القريب قاعدة لإطلاق عملية إعماره. في غضون ذلك، فتحت سوريا حدودها على مصراعيها أمام اللاجئين العراقيين، وكما دخل مئات الآلاف من الفقراء دخل أيضا المئات من الأثرياء، وتحركت السوق السورية ونشطت حركة الاستثمار العقاري. وقد تكون الحكومة السورية تحملت عبئاً فوق طاقتها لاستقبالها مليون ونصف مليون لاجئ بما يعنيه ذلك من ضغط هائل على بنيتها التحتية وعلى الخدمات والواقع الاجتماعي، إلا أنها ربحت على المستوى الشعبي، وهو ما أضيف الى رصيد بشار الأسد ورصيد سوريا على المستوى العربي وحتى الدولي، في الوقت الذي قصرت فيه الدولة المحتلة ولم تقم بواجبها تجاه المتضررين من حربها.
ولقد أسهم تدفق الرساميل على الصعيد الاقتصادي في اعطاء دفع لعملية الإصلاح الاقتصادي، واتخاذ جملة من القرارات الاقتصادية المشجعة كالسماح بافتتاح مصارف خاصة، وقوانين استثمار جديدة… إلخ، وخلق ظروف تساعد الاقتصاد السوري على الصمود في وجه العقوبات المفروضة عليه، وبدا الأمر وكأن سوريا تولد من جديد في الوقت الذي كان هناك من يحضر لجنازتها.
حرب تموز (يوليو) على لبنان (2006)، ضربة أرادتها اميركا أن تكون القاضية، ليس لقوى المقاومة في لبنان والمنطقة، وإنما لنظام بشار الأسد الداعم للمقاومة، لكن الصمود الذي أظهرته المقاومة، والدور الكبير الذي لعبته سوريا للحؤول دون تحقيق إسرائيل وأميركا أهدافهما، كانا انتصاراً كاسحاً. رغم حملات العداء التي كانت تقاد من لبنان ضد سوريا، عندما وقع العدوان الإسرائيلي سعت سوريا قيادة وشعباً الى احتضان اللبنانيين الفارين من جحيم القذائف الإسرائيلية، في مشهد تضامن وتآخ شعبي نادر، وراحت كفة الميزان ترجح لصالح قوى الممانعة، وتضاعف الأمل بقدرة المقاومة على مواجهة أقوى جيوش العالم، الجيش الاميركي والجيش الإسرائيلي.
تعززت مكانة سوريا وبرز بشار الأسد بطلاً قومياً على الضد من مراهنات أعدائه وخصومه، وهو ما كان غير متوقع من طبيب العيون الشاب المتواضع بعد عامين من الضغط الشديد والمتواصل، والذي كان عليه أن يقارع سياسياً زعماء في عمر والده الرئيس الراحل حافظ الأسد.
غير أنه ولغاية العام 2007، لم تفقد إدارة بوش الأمل في أن تفلح سياسة العزل والضغط في حمل الأسد على الاستجابة لطلباتها، ومضت في مساعيها مع تعديل الهدف من “تغيير نظام بشار الأسد” إلى “تغيير سلوك نظام بشار الأسد”، وعادت المراهنات من جديد، لكن على نتائج ما بعد حرب تموز في لبنان، وما تلاه من أزمات أخذت شكلا دمويا ورشحت لأن تكون حربا أهلية ينزلق إليها سلاح المقاومة. وما بين مد وجزر عاش لبنان بقلق أقلق راحة بشار الأسد إلى أن حسم الأمر في مؤتمر الدوحة وتم وضع الأزمة على سكة الحل لتكون بداية سقوط المراهنات على إضعاف سوريا وعزلها عن لبنان وفك تحالفها مع إيران والقوى المقاومة.
في ذلك الوقت، كانت إدارة بوش تستعد للرحيل، وراح الأوروبيون يشعرون بالتحرر من ثقل سياسة بوش الحربية، فسارعت فرنسا الى تحسين علاقاتها مع سوريا وإعادة رتق ما تمزق من دورها في المنطقة، بعدما ثبت أنها لم تجنِ شيئا من فتح الساحة اللبنانية على الفوضى سوى خدمة المصالح الاميركية. أما الدول الأوروبية الأخرى ومنها بريطانيا، فاكتفت بدور المتفرج المدهوش على مشهد المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل عبر الوساطة التركية، وهي مفاوضات أرادها بشار الأسد لجس نبض إسرائيل ومعرفة مدى جدية رغبتها في السلام في الوقت الضائع ريثما ترحل إدارة بوش. فإذا هي كانت جادة تتم تهيئة الأرضية لانطلاق مفاوضات مباشرة برعاية اميركية ـ أوروبية، وإذا لم تكن جادة فإنها تكشف إسرائيل أمام الرأي العام الدولي بشهادة تركيا المشرف على التفاوض غير المباشر، إلا أن إسرائيل لم تنتظر كثيراً لتكشف للعالم أجمع عدم رغبتها الجدية في السلام وقامت بالاعتداء على غزة، ليبلغ بعدها التشرذم والانقسام العربي ذروته في مطلع العام 2009، وتتقدم تركيا لملء الفراغ العربي الحاصل نتيجة انحسار الدورين السعودي والمصري، وانكفاء الإدارة الاميركية الجديدة عن وضع سياستها في التعامل مع الملفات الساخنة التي خلفها بوش في البيت الأبيض.
العد التنازلي للانقسام العربي بدأ مع الاتجاه الى مسار المصالحات، مع مبادرة الملك عبد الله على هامش قمة الكويت الاقتصادية، وكادت هذه المبادرة أن تنهار على وقع الملف الفلسطيني والاستئثار المصري به، فالموقف التركي مما جرى في غزة عرّى الضعف العربي ، ليبلغ أقصى حدوده في الانقسام حول عقد قمة طارئة لمناقشة العدوان في الدوحة، التي دعا اليها أمير قطر والرئيس بشار الأسد، وجرى عقدها رغم كل العراقيل التي وضعت في طريقها. وقد برز الأسد الشاب قائدا عربيا واثقا بإمكانات وقدرات الشعب العربي على الاستمرار في التحدي والصمود، ومدعوما بقوى إقليمية، ايران وتركيا ودول عربية أخرى ترفض العدوان الإسرائيلي، إلا أن الأسد لم يمض في استثمار هذا الصعود الشعبي، الدعائي مؤثرا الانعطاف نحو ترميم الصف العربي والعودة إلى رأب الصدوع وعقد المصالحات، التي بدأت بينه وبين الملك عبد الله، فبادر الأسد بعد أشهر من البرودة إلى زيارة المملكة والمشاركة في افتتاح مشروع علمي ضخم داعياً الملك الى زيارة سوريا، وسرعان ما تمت تلبية الدعوة، لتكون فاتحة خير على الوضع في لبنان ومصالحة بين الأسد والحريري الابن، كآخر ثمار قطفها الأسد قبل انتهاء العام 2009.
عام طويل كان حصاده من نتائج وسياسة النفس الطويل أو سياسة حبس الأنفاس في الأعوام السبع الماضية، التي اعتمدها الأسد بكل ثقة وتأنٍ فهو كما يصف نفسه: “أنا دائماً أسير بحذر في أي موضوع، أحسب الخطوات، أقدّر، أقيم، ثم أنتقل إلى الخطوة الثانية، أسير بشكل عقلاني ودقيق، أعمل من خلال الواقع، أولاً لا أسعى إلى تصفيق الغرب لي، وحتى عندما يصفق لي الغرب أقول لهم هذا ليس شأنكم”.
وما يقال عن القدرات المدهشة للشاب طبيب العيون المتواضع، في اجتياز الحواجز الشائكة ، ليس جزءاً من الدعاية السياسية وإنما نتائج توصل اليها الخصوم قبل الأصدقاء ، والذين راهنوا على انهياره عند أول منزلق وفي مقدمهم إسرائيل، فقد كتبت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية: “رغم أن الأسد واجه خلال سبع سنوات من حكمه رئيساً لسوريا، فترات أزمة غير قليلة، يبدو أنه خرج من كل الأزمات معزّزاً”. ونقلت عن خبراء إسرائيليين في المجال السوري تقديرهم انه “بعد الأزمة، يأتي الفرج، والأسد يخرج قوياً منها”. وأما السؤال عمّا إذا كان الأسد سيحتفظ بموقعه في دمشق، وهذا ما يقلق الكثيرين في المنطقة وخارجها؟ خبراء إسرائيليون ودوليون في الشؤون السورية يقدرون أن الأسد يسيطر وسيواصل السيطرة من دون منازع لفترة طويلة أخرى. وعن الشعبية التي يحظى بها، أشارت الصحيفة إلى أنه “كقاعدة، للأسد شعبية بما فيه الكفاية”.










1 تعليق
الجمعة 1 يناير 2010 @ 6:30 م
لنا الفخر ان نحظى برئيس ك بشار الأسد..
فشعبيتة بين جميع شعوب الدول العربية فاقت حبهم حتى لرئسائهم..
تقبل مروري.. شكر
اكتب تعليق