حسن م يوسف
في خمسينيات القرن الماضي كان متوسط دخل الفرد في سورية أعلى منه في ماليزيا، السؤال الذي يقلقني وأود أن يقلقكم، لماذا تقدمت ماليزيا وأصبحت قوة اقتصادية مؤثرة في العالم في حين تراجعنا نحن إلى حيث نحن؟
صحيح أنه لدينا ظروفنا الخاصة والخنجر الصهيوني المغروز في خاصرتنا يستنفد الكثير من طاقتنا، لكنني أعتقد أن المشكلة الجوهرية تكمن في طريقة تفكيرنا بالدرجة الأولى، فنحن لم تعد تستفزنا الرداءة، قدر ما يستفزنا الكلام عنها! في واقعنا، قد ينجو منتِج الرداءة بفعلته مراراً وتكراراً وقد يترقى في المناصب، لكن الصحفي الذي يفضح منبع الرداءة وأسبابها والمستفيدين منها يعرض نفسه لنقمة هؤلاء، فيقررون «معالجته» بدلاً من معالجة المشكلة،
والويل لمن تلمس كلمته عصب الفساد، فقد تلفق له تهم ما أنزل اللـه بها من سلطان ولا من أمير ولا حتى من رئيس مخفر! وبعض التهم، قد توصل من تلصق بهم إلى ارتداء ربطة العنق المصنوعة من الكتان، التي لا تتدلى إلى أسفل بل تلتف حول العنق متدلية من خشبة في الأعالي!
قبل نحو عشرة أعوام اقترحت على الصحفيين في مؤتمرهم إقامة طاولة مستديرة حول واقع الصحافة السورية وتحديات العصر الرقمي، يشارك فيها كل من يريد من الصحفيين السوريين، فتمت الموافقة على الاقتراح وكلفتُ بكتابة ورقة العمل، لكنني فوجئت عندما دخلت إلى نادي الصحفيين في الموعد المحدد بوجود منبر عال بدلاً من طاولة مستديرة! ورغم تحفظي على صياغة المكان التي لا تشبه الفكرة، تحولت الجلسة إلى شبه محاضرة! قال لي شخص يرتدي بزة رسمية ويجلس في منتصف الصف الأول: «لماذا لا تتحدثون أيها الصحفيون عن الإيجابيات والإنجازات؟ لماذا تركزون على المشكلات والسلبيات كما لو أنه لا شيء في الدنيا سواها!».
يومها قلت: «الإيجابيات والإنجازات تتكلم عن نفسها بنفسها، فضوء مصباح الكهرباء يعبر عنه كإنجاز أفضل من كل كلمات الدنيا! نحن في الصحافة، يا سيدي، نشبه إلى حد كبير العاملين في قسم الإسعاف في المستشفيات، عندما يصل إلينا شخصٌ تعرَّض لحادث سير مثلاً، نذهب إلى مكان المشكلة ونحاول إيقاف النزيف الذي قد يهدد حياة المصاب. تصور ماذا يمكن أن يحدث لو أن طبيب الإسعاف أراد أن يتحدث عن الأعضاء الإيجابية في جسم المصاب، فراح يمتدح قلبه المعاوض، ويتغزل بلون عينيه الشهلاوين، وسلامة أسنانه العاجية، وحسن تقليم أظافره، ونظافة الأماكن السرية من بدنه! أعتقد أن المريض سيفارق الحياة قبل أن ينتهي الطبيب من تعداد الأعضاء التي كانت تعمل بشكل جيد في جسده!
لماذا تقدموا هم وتخلفنا نحن؟ أعترف أنه ليس لدي جواب نهائي على هذا السؤال، لكن الأمر الأكيد هو أنه يتصل بموقفنا من الآخر.
قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام قال عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين: «رحم اللـه من أهدى إليَّ عيوبي» أما الآن فقد يجازف من يهدي بعض المتنفذين عيوبهم بأن يصبح «مرحوماً» بالفعل!










اكتب تعليق