عمار سليمان علي ـ كلنا شركاء
جواباً على هذا السؤال نقول : طبعاً لا. ولا ينبغي أن يكونوا… ولكن يبدو أن هناك من يرغبون بأن يجعلوا منهم كذلك. ولاسيما من بين الصحفيين والإعلاميين الذين يندر أن يرتفع صوتهم فوق حد معين إلا عندما يتعلق الأمر بالأطباء والصيادلة, وعندها خذي يا جرأة!.
طبعاً لا يقتصر الأمر فقط على الصحفيين والإعلاميين, لكي لا نظلمهم, وإن كان هؤلاء مكشوفين دائماً بحكم مهنتهم وطبيعتها العلنية, ولكنه للأسف يتعداهم إلى بعض المسؤولين وأصحاب القرار (ومن ضمنهم بعض الأطباء والصيادلة) الذين يبدو أنهم ينفذون رؤية بعض المسؤولين السابقين الذين نقل عنهم منذ سنوات طويلة, وغير مرة, أنهم أخذوا عهوداً على أنفسهم بأن يجعلوا الطب والصيدلة في بلدنا “في الحضيض”, بعد أن كانت هاتان المهنتان أرقى مهنتين في المجتمع على الإطلاق. فهل نعدد كل ما يمكن أن يندرج في سياق تلك الرؤية؟ لن نعدد الكل لأن المجال لا يتسع, بل سنكتفي فق بإعطاء أمثلة:
نبدأ بالقبول العشوائي, من حيث الأعداد, في كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة بدون أي تخطيط يأخذ بعين الاعتبار ضرورة توفير فرص عمل ملائمة ولائقة للمتخرجين. ثم الحكم بما يشبه الأعمال الشاقة على معظم الأطباء المقيمين وأطباء الدراسات العليا في مختلف الاختصاصات من حيث ساعات العمل وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم, ناهيك عن نقص التجهيزات والبرامج التدريبية المناسبة بل ونقص الكوادر الطبية القادرة على التأهيل والتدريب.
وزد على ذلك معاملة الأطباء حيثما عملوا في القطاع العام أو الخاص كأي موظف عادي أو أقل أحياناً, ثم معاملة الصيادلة, من قبل الدولة ومن قبل المواطنين, كتجار… من الدرجة الثالثة أو الرابعة. ومادمنا ذكرنا الصيادلة فلنبق مع معاناتهم التي تبدأ بالبحث عن مكان ملائم لفتح صيدلية في ظل القانون القاسي الذي يفرض مسافة 65 متراً بين الصيدليات والذي ينبغي إعادة النظر به وتعديله أو حتى إلغاؤه تماماً بعدما كثر عدد الصيادلة المتخرجين, وتستمر المعاناة والشعور بالغبن مع وجود صيادلة مدعومين يحصلون بقدرة قادر على استثناءات من شرط المسافة لكي يفتحوا صيدلياتهم في قلب المدن الكبرى التي تكاد تكون محرمة تقريباً على “صغار الصيادلة” إذا جاز التعبير, إن بسبب غلاء الأسعار هناك وعدم قدرتهم على الشراء أو الاستئجار, أو بسبب احتكار المراكز الرئيسية للمدن من قبل صيادلة قدماء وعدم ترك مساحات خالية تحقق شرط المسافة القاسي, إلا ما ندر. وآخر انتكاسات الصيادلة كانت في تخفيض أسعار الأدوية السورية العام الماضي بمقدار عشرين بالمائة, وهذا يعني تخفيض دخول الصيادلة بنفس النسبة, ولكن بنفس الوقت زادت الرسوم التي يدفعونها للنقابة وللبلدية والضرائب التي تفرضها عليهم المالية!. وعلى ذكر ضرائب المالية فقد بدأ مؤخراً صراع جديد بين الأطباء وموظفي التخمين الضريبي في مديريات المالية, على خلفية القرار الأخير القاضي بزيادة أجور المعاينات الطبية إلى 700 ليرة سورية كحد أعلى واعتمادها من قبل المالية في احتساب الضرائب, رغم أن قسماً كبيراً من الأطباء مازالوا يتقاضون معاينات أقل من الحد الأدنى الذي هو 500 ليرة سورية, وهم يحمدون اللـه على كل حال وعلى أن الحكومة أو رئيسها تدخلا وخفضا الحد الأعلى للمعاينات من 1000 إلى 700 ليرة سورية وإلا كانت ضرائبهم أعلى وأعلى فيما لو احتسبت على أساس 1000 ليرة سورية للمعاينة.
كل هذه المعاناة والصعوبات لا تبرر طبعاً لأي طبيب أو لأي صيدلي أن يخالف القانون وآداب المهنة وأخلاقيتها وإنسانيتها, ومن هنا لا يملك المرء إلا أن يحيّي وزارة الصحة ونقابات الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة على تشددهم مؤخراً في قمع المخالفات والتجاوزات ومعاقبة مرتكبيها باشد العقوبات, مع التمني بأن تتحقق المساواة الكاملة بين الجميع وأن لا يكون هناك صيف وشتاء على سطح واحد, أو بتعبير آخر خيار وفقوس. وهذا الكلام موجه للجميع وموجه أيضاً للصحفيين والإعلاميين الذين يحابون الأطباء والصيادلة أو قسماً منهم في بعض الأحيان, من ضمن شبكة العلاقات العامة التي يقيمونها, وفي المقابل يستشرسون أحياناً أخرى ـ كما ذكرنا في البداية ـ فيما يتعلق بالأطباء والصيادلة, ومن دون وجه حق في أحيان كثيرة, وكمثال حي وشاهد على ذلك هاهو أحد الصحفيين في صحيفة “الثورة” يكتب زاوية بعنوان “أطباء وصيادلة” حول المخالفات المرتكبة من قبل الأطباء والصيادلة, والجهود المبذولة لقمعها ومنعها والحد من أضرارها, وهو ما نوافقه عليه مائة بالمائة, ولكن ما ليس مقبولاً هو أن يبالغ الصحفي المذكور في آخر فقرة من زاويته تلك, ويتطاول على الأطباء ويعتبر نفسه وصياً عليهم, ويتدخل في صلب عملهم الذي ليس بطبيعة الحال من اختصاصه, فهو يقول في تلك الفقرة : (فكما يتم إغلاق صيدلية تقدم دواء مهربا أو مزورا مدة شهر كامل فإن الطبيب كاتب الوصفة لاسم تجاري لدواء غير مصنع محليا أو مستورد بشكل غير نظامي تجب محاسبته لأن المريض سيتردد على أكثر من صيدلية للحصول على الوصفة وبذلك يكون هذا الطبيب شريكا في المخالفة). وعلى الرغم من أن نية الصحفي المذكور قد تكون سليمة وغايته البحث عن أفضل السبل لتحقيق الفائدة للمرضى, إلا أن اجتهاده في هذا الاقتراح كان خاطئاً تماماً, لأن الطبيب يجب أن يكون حراً في ما يكتبه في وصفاته من أدوية, ولا ينبغي لأي قانون أو تشريع أن يلزمه بأسماء تجارية معينة, محلية كانت أو أجنبية, فهذا يعود لقناعاته المهنية والعلمية التي لا يجوز أن يتدخل فيها أحد. وبالمناسبة يمكن قلب الصورة : فهل يقبل هذا الصحفي أو أي من زملائه الصحفيين الذين يتمسكون عادة بحرية الرأي والتعبير أن يأتي شخص ما ويقول لهم اكتبوا عن كذا ولا تكتبوا عن كذا؟. الجواب طبعاً لا إذا كان ذلك الشخص طبيباً أو صيدلانياً, أما إذا كان ذلك الشخص من جماعة “الأمن” بالمعروف والنهي عن المنكر, فالجواب بدون شك وبدون تردد سيكون : أمرك سيدي!.










اكتب تعليق