مشيرة المعلا ـ العرب اليوم
يقول الشاعر الجواهري في قصيدته يا شعب:
زعموا التطرف في هواك جهالة
أكذا يكون الجاهل المتطرف
هذا فؤادي للخطوب دريئة
وأنا المعرض فيكم فاستهدفوا
أما هواك فذاك ملء جوانحي
تحنو على ذكراك فيه وتكلف
يا شعر نم على الشعور فكم وكم
نمت على زمر العواطف أحرف
مئة وأحد عشر عاما على ولادة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري, وثلاثة عشر عاما على وفاته, ولد الجواهري في السادس والعشرين من تموز 1899 وتوفي في السابع والعشرين من تموز .1997
في النجف نشأ وترترع في أسرة نجفية محافظة عريقة في العلم والأدب والشعر تُعرف بآل الجواهر, كان ابوه عالما من علماء النجف اراد ان يكون الجواهري عالما مثله لذلك ألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في سن العاشرة.
عرف عن الجواهري ميله منذ الطفولة إلى الأدب فأخذ يقرأ في كتاب البيان والتبيين ومقدمة ابن خلدون ودواوين الشعر, ونظم الشعر في سن مبكرة, تأثراً ببيئته, واستجابة لموهبة كامنة فيه.
كان قوي الذاكرة, سريع الحفظ, ويروى أنه في إحدى المرات وضعت أمامه ليرة ذهبية وطلب منه أن يبرهن عن مقدرته في الحفظ وتكون الليرة له. فغاب الفتى ثماني ساعات وحفظ قصيدة من (450) بيتاً واسمعها للحاضرين وقبض الليرة.
الجواهري بدأ حياته يرتدي العمامة لأنه نشأ نشأة دينية محافظة, واشترك بسب ذلك في ثورة العشرين عام 1920م ضد السلطات البريطانية وهو يلبس العمامة, ثم اشتغل مدة قصيرة في بلاط الملك فيصل الأول عندما تُوج ملكاً على العراق وكان لا يزال يرتدي العمامة, ثم ترك العمامة كما ترك الاشتغال في البلاط الفيصلي وراح يعمل بالصحافة بعد أن غادر النجف إلى بغداد, فأصدر مجموعة من الصحف منها جريدة (الفرات) وجريدة (الانقلاب) وذلك في أواخر عام 1936 إثر الانقلاب العسكري الذي قاده بكر صدقي. وعندما أحس بانحراف الانقلاب عن أهدافه التي أعلن عنها بدأ يعارض سياسة الحكم فيما ينشر في هذه الجريدة, فحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر وبإيقاف الجريدة عن الصدور شهراً, و بعد سقوط حكومة الانقلاب غير اسم الجريدة إلى (الرأي العام), وقد انتخب الجواهري عدة مرات رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين.
وفي عام 1961 واجه مضايقات مختلفة فغادر العراق إلى لبنان ومن هناك استقر في براغ حيث أقام فيها سبع سنوات, وصدر له فيها في عام 1965 ديوان جديد سمّاه بريد الغربة , وفي عام 1968 عاد إلى العراق وخصصت له حكومة الثورة راتباً تقاعدياً قدره 150 ديناراً في الشهر.
اما أول قصيدة له كانت قد نشرت في شهر كانون الثاني عام ,1921 وأخذ يوالي النشر بعدها في مختلف الجرائد والمجلات العراقية والعربية, كما نشر أول مجموعة له باسم حلبة الأدب عارض فيها عدداً من الشعراء القدامى والمعاصرين, كما أصدر في عام 1928 ديواناً سماه بين الشعور والعاطفة نشر فيه ما استجد من شعره وفي عام 1935 أصدر ديوانه الثاني بإسم ديوان الجواهري وفي عام 1969 صدر له في بغداد ديوان بريد العودة, واصدرت له وزارة الاعلام في عام 1971 ديوان أيها الأرق وديوان خلجات.
هذا و يتصف أسلوب الجواهري بالصدق في التعبير والقوة في البيان والحرارة في الإحساس الملتحم بالصور الهادرة كالتيار في النفس, ولكنه يبدو من خلال أفكاره متشائماً حزيناً من الحياة تغلف شعره مسحة من الكآبة والإحساس القاتم الحزين مع نفسية معقدة تنظر إلى كل أمر نظر الفيلسوف الناقد الذي لا يرضيه شيء.
يقول الجواهري: ولدت على ابواب الخورنق والسدير حيث كان يقف النابغة, وحيث كان يأكل بصحاف من الفضة والذهب كما يقول عنه المؤرخون, بفارق واحد, هو اني كنت منذ البدايات حتى يومي هذا آكل بالصحاف العتيقة المتوارثة, وبما تيسر من لقمة العيش الزهيدة, أتلقى بثبات – ومن دون اعتذار- زئير الاسود, وهم قله, فضلا عن عواء الذئاب وتكالبها, وهم كثرة.
الجواهري الذي لقب ب¯نابغة النجف ولد وتوفي في الشهر نفسه, وكان الفارق يوماً واحداً مابين عيد ميلاده ووفاته توفي في إحدى مشافي دمشق عن عمر يناهز الثامنة والتسعين, ودفن في مقبرة الغرباء في السيدة زينب في ضواحي دمشق, تغطيه خارطة العراق المنحوتة على حجر الجرانيت, وكتب على شاهد قبره قصيدة حملت اسم (يادجلة الخير) نظمها الشاعر في براغ شتاء عام 1962 ويقول فيها:
حَيّيتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني يا دجلة الخير, يا أمَّ البساتين
حييتُ سفحك ظمآنا ألوذ به
لوذَ الحمائم بين الماء والطين
يادجلة الخير يانبعاً أفارقهُ
على الكراهة بين الحين والحين
هنا بعيداً عن دجلة الخير يرقد
محمد مهدي الجواهري
شاعر العرب الأكبر










اكتب تعليق