
بقلم عمر المختار ونوس
يركض في عينيه كوكب مذبوح
وسماء منكسرة
يركض في عينيه بحر من النيون
ومحيط من العتمة الطبقية
في عينيه –أيضًا-
تركض صبيّة جميلة بقدمين حافيتين
يغنّي:
لقد كانت طريّة.. طريّة
كالثلج والينابيع
لقد كانت سنبلة طريّة
ولذلك التقطتها بمناقيرها العصافير
لقد كانت طريّة.. طريّة
تركض بقدمين حافيتين فوق سهل أجرد…
لم أستطع إلاّ أن أبكي عندما قرأتُ ما كتبهُ ذاكَ العاشقُ المنسي خلفَ جدرانِ الكلمات, الساكنُ الدائمُ في بحةِ الصوتِ وفي الدمعِ وفي الخطوات …
تأخذني كلماتهُ رويداً رويداً عبرَ حزنها وقلقها وأملها لتضيءَ سمائي عشقاً… خوفاً… وأحلاماً لا تعرفُ إلاّ البقاء…
لم يكن باستطاعتي إلاّ الوقوفَ باكياً لأنادي حبيبتي وعشقيَّ الأبدي, بحثتُ كثيراً عنها ورسمتها بمقلتيَّ دمعةً وفي الشفاهِ صهيل, وجدتها الآنَ باسمةً في أوراقه, خالدةً في كلماته, وحزينةً في قلبه…
ناداها وناديتها مردداً سورية…
يا سورية الجميلة السعيدة
كمدفأة في كانون
يا سورية التعيسة
كعظمة بين أسنان كلب
يا سورية القاسية
كمشرط في يد جرَّاح
نحن أبناؤك الطيِّبون
الذين أكلنا خبزك وزيتونك وسياطك
أبدًا سنقودك إلى الينابيع
أبدًا سنجفِّف دمك بأصابعنا الخضراء
ودموعك بشفاهنا اليابسة
أبدًا سنشقّ أمامك الدروب
ولن نتركك تضيعين يا سورية
كأغنية في صحراء…
لم يكن باستطاعتي إلاّ الغوصَ في ثنايا الكلماتِ لأعرفَ أن العاشقَ لا يستطيعُ البقاءَ بغيرِ بكاء, وبكيتُ ليسَ لأني عاشقٌ وإنما لم أجد غيرَ دمعي يسعفني لأقولَ ما تعجزُ عنهُ الحروف.
لم أكن أعرفُ أنَ الشاعرَ سيبقى منفياً… منسياً إذا خانتهُ حواسهُ, فصرخَ بلا صوتٍ… وغنى دونَ أن يسمعَ الغناء…
لكنهَ يبقى وحيداً كنجمةِ صبحٍ يحاربُ الصمتَ بالكلمات… يغني وإن عجزت الشفاهُ عن النطق… يرتلُ القصائدَ تلوَ القصائد ليصنعَ من عتمةِ ليلٍ أنشودةً تغنيها السنابلُ والجداولُ والأزهار…
ويبقى بيننا رغمَ الرحيلِ المبكرِ شعلةً تنيرُ لنا الدربَ وتأخذنا على مهلٍ لنعرفَ أن الشاعرَ باقٍ مادامَ العشقُ ينبضُ فينا ألماً… دمعاً… وموسيقا…
ويرحلُ هذا العاشقُ الشاعرُ الأسطوري تاركاً لنا بضعَ كلماتٍ نقرأها على عجلٍ ونمضي بها نحوَ غرفته لنراه مازالَ هناكَ واقفاً ينتظرنا حتى نعبرَ للضفةِ الأخرى, لنحلمَ حينَ تغتالنا الأحلام, لنغني وإن جلدنا الغناء, لنبكي حينَ يفقدنا الدمع, لنصرخ عندما نفتقدُ الصراخ…
في البابِ واقفاً نراهُ…
يفتح بابَ الكلماتِ ويدخلُ بخطىً خائفةٍ
في أنحاءِ الغرفةِ
بعض قصائد ذابلة
كلمات تتمدد فوق الكرسيّ
وأخرى تتعلّق بالمشجب
سنبلة تهرب من بين أصابعه
وطيور تقتحم الشفتين
يرى عشبًا ينبت في المكتبةِ المهملةِ
ونبعًا ينبثق من الحائط
بعد قليل سوف يداهمه الليل بأقمار وكوابيس
تداهمه أشجار الغابة
ورمال الشاطئ
وحصى الأنهار
وآبار فارغة
يملؤها بحروف سوداء
ماذا يأخذ من جثث الأيام
وماذا يترك
غير قصائد ذابلة
وغبار الكلمات؟
وبعد قليل
سوف يداهمه الشرطيّ
ليسأله عن جمل غامضةٍ
ويحذره من استعمال “القُبلة” و “القنبلة”
ويمضي..
هو ذا الشاعر
يفتح نافذة القلبْ
يغلق عينيه
ويحلم بقصيدة حبْ…
هذا هو رياض الصالح الحسين كما عرفتهُ منذُ صغري حينما تعلمتُ الغوصَ في بحرِ الكلمات.
………
** إن المقاطع الشعرية الواردة هي للشاعر الكبير رياض الصالح الحسين.










3 تعليقات
السبت 28 أغسطس 2010 @ 5:56 م
من سيفتح لي صنبور الحياة لأشرب
إذا جفَّ قلبي تحت هذه السماء الخائنة؟
من سيغنِّي لي أغنية في المساء لأنام
إذا وضعوا بين جفني صخرة مدبَّبة؟
من سيخرجني من هذه البئر العريقة
لأرى أشجار الصفصاف تحت ضوء القمر؟
لتستبشر روحك أيها الخالد الذي حرم من كل شيء ولكنه أبى إلا أن يكون دائم العطاء مادام هناك فسحة للحب والأمل.
هاهو رفيقك الذي لم تره ولكنك كنت تعرف أنه قادم عمر المختار ونوس بعد ثمانية وعشرين عاما من رحيلك يفتح صنابيرك ليشرب منها كل هذا الجيل.
ويوصل للقادمين أن هناك مبدعا مات صغيرا ولكنه مازال ينبض بالحب للورود والسنابل والفلاحين وكل المقهورين .فاحفظوه في عقولكم قبل دفاتركم.
………………………………………أحييك بخالص الود
……………………………………….تامر رسوق
الإثنين 30 أغسطس 2010 @ 8:44 ص
أشد على يديك وقلمك المتمكن، الجميل أخي “عمر المختار ونوس”، فيما كتبته باحساس متميز، عن شاعر مبدع، بالرغم من سنين عمره القصيرة.
الإثنين 30 أغسطس 2010 @ 11:58 م
لم يكن أرهف حساسية من هذا الشاعر العبقري العظيم، إلا هذا الشاعر المتجدد عمر المختار ونوس، ذلك أنه استطاع أن يلتقط بحسه الشاعري أروع الصور التي جسد من خلالها الشاعر رياض الصالح الحسين جمالية الحب وروعته على الرغم مما يمكن أن تكونه الظروف الحياتية القاهرة، على الرغم من كل الظلم المنتشر في أصقاع الأرض إلا أن الحب هو الزوادة الحقة التي تتغذى أرواحنا عليها…والحب بمعناه العام، حب الأرض والإنسان، حب الحياة الملأى بالمفاجئات والمصادفات بشكل مطرد.. إنه الحب الذي لا يحتاج إلى تعريف أو قواميس.. إنه شعورنا بأننا أحياء رغم كل الجهود المبذولة لقتل أرواحنا.
صديقي عمر المختار دمت لنا ذخراً لا ينضب ننهل منه ما يمكن أن يفوتنا في زحمة هذا العالم العجيب.
اكتب تعليق