
• في مقدمة ديوان “وعل في الغابة” للشاعر رياض الصالح الحسين نقرأ ما يلي:
وُلِدَ رياض الصالح الحسين في مدينة درعا في 10/3/1954 لأب موظف بسيط من قرية مارع في شمال حلب.
كان والده يتنقّل مع عائلته بين المدن السورية ثلاثين عامًا.
منعه الصمم والبكم من إكمال دراسته، فدأب على تثقيف نفسه بنفسه.
اضطر إلى ممارسة العمل مبكرًا، كعامل وموظف وصحفي، وعانى من مشكلة البطالة.
كان مستمرًّا في كتابة الشعر والموضوعات الصحفية منذ عام 1976 حتى وفاته.
أصدر ثلاث مجموعات شعريّة في حياته:
خراب الدورة الدمويّة – مطابع وزارة الثقافة – دمشق 1979
أساطير يوميّة – مطابع وزارة الثقافة – دمشق 1980
بسيط كالماء واضح كطلقة مسدَّس – دار الجرمق – دمشق 1982
أنجز مجموعته الشعريّة “وعل في الغابة” قبل وفاته.
كتب في الشعر، القصة القصيرة، قصص الأطفال، المقالة الصحفية، و النقد الأدبي.
كتب عن الموت، و كتب في تمجيد الحياة كثيرًا.
توفي في مستشفى المواساة بدمشق عصر يوم 21/11/ 1982 ولما يكمل عامه التاسع والعشرين!
• لقد أصيب رياض بالصمم في الثالثة عشرة من عمره ، بيد أنّه لفرط ذكائه كان قادراً على قراءة شفاه مُكلّميه ، وفي حالات نادرة كان يعمد إلى الكتابة عمّا يريده.
• حتى في العصر الحديث لازال هناك خلاف على تاريخ ولادة شاعر..
في تراجم أعضاء اتحاد الكتاب العرب في سورية نجد أنه « ولد في مدينة (درعا) عام 1953. تلقى تعليمه في درعا، وعمل في الشركات الاهلية للغزل، وفي مؤسسة الأمالي الجامعية في مدينة حلب وفي أعمال عديدة وآخر عمل له في مكتب الدراسات الفلسطينية».
ويذكر د. علي حافظ أن « رياض انتقل في منتصف السبعينيات إلى دمشق بحثاً عن حياة (ليست عادية) على حد تعبيره. لكن هذه الحياة ـ الحلم كانت تتوارى بين أصابعه كالزئبق، وقد عمل رياض بداية مع أخيه عند الخياط علي الدخيل بالمرجة ببناية العابد! (…) في هذا الوقت بدأ رياض الصالح الحسين يشق طريقه الصعب في الحياة، ويخط معالم مسيرته الأدبية بنجاح ملحوظ، ناشراً نتاجاته الإبداعية بمطبوعات العاصمة: (المسيرة)، (الثقافة الأسبوعية) و(الثورة).، لكنه لم يكن سعيداً ومسروراً بهذا، إذ إن ظروفه الاجتماعية غير مستقرة، وأوضاعه المعيشية معقدة، وحالته الصحية السيئة تضغط على روحه وجسده »، و يستند في المقالة التي كتبها عن رياض الى رسالة كان قد أرسلها رياض الصالح الحسين الى الشاعر الفلسطيني محمود علي السعيد بتاريخ 16 أيلول 1975شاكراً إياه على وضع اسمه ضمن لائحة الشعراء الشباب الذين سيشاركون بالمهرجان الشعري السنوي المقام بالنادي العربي في حلب، ومعتذراً عن عدم حضوره لفعالياته بسبب الظروف الصعبة والقاهرة المحيطة به في العاصمة!! (…) كما أنه يرسل قصيدة (العاشق القادم من البحر الخامس) طالباً من الشاعر محمود علي السعيد المساعدة على نشرها بجريدة (الجماهير) الحلبية، راجياً أن يكون هذا (دون حذف، أو بتر أصابع، أو نزع أضلاع)، كما يحدث عادة في أغلب صحفنا! لكن القصيدة للأسف لم تنشر لأسباب غير معروفة! ”
وكذلك فإن تاريخ وفاته، يحوي اختلاف طفيف. إذ كما هو مذكور في ” وعل في الغابة “. توفي في مستشفى المواساة بدمشق عصر يوم 21/ 11 / 1982بينما ذكر د. علي حافظ في نفس المقالة أنه كتب على شاهدة قبره ( هنا يرقد الشاعر رياض الصالح الحسين الذي توفاه الله بيوم السبت الواقع 4 صفر 1403، والموافق 20 تشرين الثاني 1982 ميلادية). لكن الثابت مكان دفنه إذ دفن في قريته مارع شمال حلب.
• كتب فرج بيرقدار من السويد يقول:
اعتُقِلَ رياض بسبب كرّاس أدبيّ كان يصدره، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، مجموعة من الكتّاب الشباب، منهم جميل حتمل «ما أقربه إلى رياض الآن» وحسان عزت ووائل السواح وبشير البكر وخالد درويش «اعتقل في نفس الوقت مع رياض بسبب الكرّاس» وفاديا لاذقاني وموفق سليمان وكاتب هذه السطور.
إذا كان الوقت مساء الآن، فليس في وسعي سوى القول: نساء الخير يا رياض
وإذا كان الوقت صباحاً، فإني آمل أن يقبل مني تحيةَ: صبايا الخير يا رياض.
هل كان اعتقاله سراً خطيراً؟
تؤكد الوقائع عبر العقود الأخيرة من تاريخ سوريا أن الأمر عادي أو مألوف أو متوقع.
لماذا إذن تحاشت وتتحاشى الأقلام النقدية، المجرّدة أوقات السلم والمغمدة أيام الشدائد، الحديث عن اعتقاله بسبب ذلك الكراس وتعرضّه للتنكيل والإهانات ولاختبارات قاسية بغية التأكد من صممه وتعثّر نطقه.
أليس اعتقاله جزءاً من تجربته في الحياة وله انعكاساته في شعره؟
ربما كان أولئك الكتّاب والنقاد معذورين في ذلك، إذ لا سلطان لبعض الناس على الخوف، وفي هذه الحالة لا سلطان للحقائق عليهم.
وإذا كان لهم عذرهم في ذلك، فما هو عذرهم في عدم إنصاف تطورات تجربة رياض الشعرية في جميع مراحلها، وصولاً إلى الختام في إكمال تأسيس و امتلاك طريقته الشعرية، وبالتالي قصيدته الخاصة التي لم تمّحِ روحها وملامحها رغم مرور ما يمكن أن نطلق عليه تسمية أجيال؟!
أهي حالة تنزيه اعتذاري يشعر بوطأة الإحساس بالذنب والتقصير والعجز، ويأمل بالمصالحة مع ضمير اضطر إلى النوم طويلاً وصحا على ما ليس خطراً بعد موت رياض؟!
لا بأس أن يصبح الحديث عن رياض، بعد موته، مشاعاً لكل من أراد تجريب قلمه أو تطهيره أو تكريمه بالكتابة عن رهافة وعمق وألفة وجمال ودهشة وإشارة وبساطة شعره، وأنه علامة فارقة في جيله وفيما بعد، ولكن ماذا عن سيزيفية أو وعورة الطرق التي اختارها أو اضطر إليها رياض؟
هل لنا أن نتخيّل أيَّ تحدّ أقدم عليه بعد فقده السمع، وبالتالي توقفه عن المدرسة، وهو في الثالثة عشرة؟!
غالباً ما يجري الحديث عنه كما لو انه ولِد شاعراً هكذا ببساطة، أو بدون جهد وبحث ودأب ومعاناة، أو كما لو كان طريقه في الوصول إلى قصيدته وردياً أو سهلاً أو قادماً من جهة الحظ والمصادفة أو الموهبة وحدها!
نادرة هي تلك الكتابات التي تحدثت عن تلك المحطات اللاهثة والقلقة، المرتابة والمرتبكة والمتوثبة والمغامِرة في تجربة رياض مع الحياة بصورة عامة، والشعر بصورة خاصة، ومع قصيدة التفعيلة على وجه أخصّ، وقد كان ذلك ميدان نقاش معقد وطويل بيننا في هيئة تحرير الكرّاس الأدبي.
كنت أنا، المقيّد بالأصول والدراسة المريرة في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق، أحد المناقشين أو المشاكسين أو المناكفين لرياض بشأن طريقته في الكتابة الشعرية. كان يحاول وأحياناً يصرّ على كتابة قصيدة التفعيلة، وكنت أصرّ على أنه لم يُخلق لها وأنها لا تناسب روحه وشخصه وميوله وموهبته.
غير أن رياض أقدم على نشر قصيدة « سطور من كرّاسة الحطابين الأشرار» في مجموعته الأولى، وهي قصيدة مكتوبة على التفعيلة ، كما قرر الاحتفاظ بالمقطع رقم 3 من قصيدة «خراب الدورة الدموية» موزوناً، وكذلك بالمقطع رقم 4 من قصيدة أساطير، وهي القصيدة الأخيرة في مجموعته الأولى «خراب الدورة الدموية».
القصيدة الأخيرة في مجموعته الأولى هي التي أرهصت بعنوان مجموعته الثانية «أساطير يومية»، التي افتتحها بقصيدة طويلة على التفعيلة تحت عنوان «حرب حرب حرب»، ومزج في إحدى القصائد المنشورة في هذه المجموعة تحت عنوان «هيلين»، ومهداة إلى ن. أبو عفش، بين النثر والتفعيلة، ربما كنوع من الوفاء والمحاكاة لنزيه.
ورغم قناعتي بأن نضج أو اكتمال خيارات رياض الشعرية، إنما جاء في مجموعته الثالثة «بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس»، إلا أن رياض بقي يحاول مع قصيدة التفعيلة، فضمّن مجموعته الرابعة والأخيرة «وعل في الغابة»، التي أعدّها قبل موته، القصائد الأربع الأولى على التفعيلة، أعني القصائد المعنونة ب «غرفة الشاعر» وهي أول قصيدة في المجموعة، تلتها قصيدة «غرفة المحارب» ثم «غرفة السائح» ثم «غرفة مهدي محمد علي».
ألا ترونه الآن بيننا وهو يجاهد في قراءة قصيدته «سورية»:
يا سورية الجميلة السعيدة
كمدفأة في كانون
يا سورية التعيسة
كعظمة بين أسنان كلب
يا سورية القاسية
كمشرط في يد جرّاح
نحن أبناؤك الطيبون
الذين أكلنا خبزك وزيتونك وسياطك
أبداً سنقودك إلى الينابيع
أبداً سنجفّف دمك بأصابعنا الخضراء
ودموعك بشفاهنا اليابسة
أبداً سنشقّ أمامك الدروب
ولن نتركك تضيعين يا سورية
كأغنية في صحراء.
ـ يا إلهي!.. لماذا إذن يتذكرون حديثه عن أنه أكل من خبز سورية وزيتونها، وينسون السياط؟!
• في مقاله “المبدع المنسيّ رياض الصالح الحسين” كتب نبيل سليمان يقول:
تدافعت في مطلع العقد السابع من القرن العشرين في سورية أصوات شعرية جديدة تتلمس تجربة أخرى غير ما ورثت وما زامنت من شعر التجربة الحداثية. ومن أنقى وأبقى تلك الأصوات ما كان لذلك الرعيل الذي قضى بعضه وتوقف بعضه ولا زال بعضه يحترق شعراً، وفي الصدارة أعدد: منذر مصري، نزيه أبو عفش، محيي الدين اللاذقاني، بندر عبد الحميد، عادل محمود، أحمد يوسف داوود، وفيق خنسة، إبراهيم الجرادي، مرام مصري، دعد حداد، وذلك الطفل الوعل الذي قضى بين سن رامبو وسن ولفغانغ بورشرت، وفي مثل قامتهما الشعرية: إنه رياض الصالح الحسين.
رياض الصالح الحسين ظل يباغتني كل حين في اللاذقية، يتلقف تمتمات الشفاه والقسمات والنظرات، يضحك أو يستزيد أو يقطب، وفي كل حال يلجأ إلى صوته الحبيس والورقة والقلم ويكتب صلته بما يدور: إنه المرض والطب اللذان أورثاه الصمم، أجل كان رياض الصالح الحسين أصمّ.
مات رياض الصالح الحسين، فما الفرق إن كان نيّف على العشرين أو قصّر عن الثلاثين، ما دام الشعر يصل بين فجر شاعر في مطلع السبعينيات من القرن العشرين وغيابه في مطلع الثمانينيات، وبين يوم كهذا اليوم أو غدٍ يطلع على غابة وطفل ووعل وشعر؟
فلنصغ إذن إلى هذا الذي يقدم نفسه في مجموعته الشعرية الأولى (خراب الدورة الدموية – 1979م):
(أنا رياض الصالح الحسين
عمري اثنتان وعشرون برتقالة قاحلة
ومئات المجازر والانقلابات
وللمرة الألف يداي مبادتان كشجرتي فرح في صحراء).
ولنصغ إليه يقدم نفسه بعد أربع سنوات في مجموعته (وعل في الغابة – 1983م):
(أنا حيوان جريح في غابة
أنا زهرة متعبة
أنا وحش من العصور القديمة
طفل لم أحفظ دروسي).
وإن استزدنا فسيعلن الشاعر:
(الذئب الذي افترسني صار أنا
أنا الذي قتل الصياد في الغابة
أنا الصياد
احذروا حبي
واحذروا أنيابي).
هكذا يشكل الشعر الشاعر بالبساطة المستحيلة ونقائض التاريخ والطبيعة، فإذا بكون آخر قوامه الحزن والاستفزاز واللعب الطفلي، كونٍ من امرأة وحب وموت وكلمة: كذلك يكتب رياض الصالح الحسين في قصيدة (مفارقات):
(الكذبة الوحيدة التي تستحق التصديق
هي الحب).
أما الكلمة الجلية كطائر أبيض، كشجرة في صحراء، فيعلن اكتشافه لها متأخراً (قصيدة: كنجمة في سماء – كوعل في غابة)، ثم تنتفض في أعماقه: (الكلمة الجميلة – البائسة – الحزينة – المرحة – العاشقة – البسيطة – الحية). وإذ يرسم الشاعر غرفته أو غرفة المحارب السائح أو غرفة مهدي علي – كما خص صديقه العراقي في ديوان وعل.. – إذ يطلق قصائد (حياتنا الجميلة – بلادنا الجميلة)، فإنما يرمي التجربة الشعرية في فضاء الحياة اليومية، في البيت والمكتب والشارع، وفي الأحلام والطفولة سواء بسواء، فتسأل قصيدة (نتفق أو لا نتفق):
(لماذا أحلم دائماً
بطفل متطاير الأشلاء
ودمية محطمة
ورصاصة تئز؟).
وإذ تعلن قصيدة أخرى الحب شهادة ولادة دائمة، تسأل سواها: ماذا سيحدث لي غداً؟ ولأن الموت يملأ الإهاب، كأنه الخراب، يقوم الجواب في الموت سؤالاً (قصيدة الخنجر – قصيدة فنان – قصيدة كم هي لذيذة – قصيدة ثوب أزرق – قصيدة الدراجة – قصيدة كتابة).
بلا فخامة إذن، وبقراءة لا تتمحل كهنوتاً ولا تراجيديا للشاعر وللشعر، تأتي مجموعة قصائد الموتى: العاشق يحفر بأظافره تراب القبر، الولد في فناء قبره يدور بدراجة من عظام، الكاتب يكتب منذ أن مات، الفتاة الميتة تحلم في القبر بثوب أزرق وبزيارة خالتها، الفنان في القبر يجمع السلاميات ليصنع منها خواتم وأقراطاً، الرجل الميت يتنزه في القمر، المنتحر بخنجر الذكرى العزيزة من الذين في الأعلى.. وفي كل حال هو السؤال – الجواب للبشر وللطبيعة، فنقرأ مرة في قصيدة (مفارقات):
(من يغطي جثتي بالأعشاب
بأوراق الأشجار اليابسة
بقليل من تراب؟)
ونقرأ مرة في قصيدة (رقصة تانغو تحت سقف ضيق):
(أيتها الأرض الممتدة من الموت بجدارة
على نصال الخنجر
إلى الموت بجدارة أشد).
ثم يصفعنا رياض الصالح الحسين في قصيدة (مساء هادئ فقط):
(ولكن قل لي أيها القارئ الوسخ
عم يتحدث الموتى
في هذا المساء الهادئ؟)
ويؤكد الشاعر أنهم لا يتحدثون عن لعبة الهوكي، ولا عن أمجاد أميرة موناكو لقاء عرضها ملابسها الداخلية أمام جمهرة من اللصوص. إنهم يتحدثون عن الموت:
(هل الموت قالب كاتوه أم نسناس دانمركي
أهو تفاحة أم بلياتشو يشبه التفاحة؟
هل الموت حلم أم حقيقة؟
وإذا كان حقيقة
فلِمَ لمْ يزل هتلر يفكر بحشر الضعفاء في أنابيب الغاز؟
ولِمَ لمْ يزل هولاكو يغتال الفلاحات في حقول القطن؟).
• سلاماً رياض الصالح الحسين ، سلاما لخراب طال الدورة الدموية ، لأساطير تأسّست على اليوميّ الموغل في إنكسارنا الإنسانيّ ، وللماء في بساطته أو للطلقة في وضوحها إذْ تترسّم سمتها صوب جسد القتيل أو الشهيد ، انتظرنا يا صديقي .. انتظرنا فنحن قادمون بأسرع ممّا تتوقع ، نحن قادمون لا لشيء ، فقط حتى لا يظلّ الوعل وحيداً في مُعتكفه ، أو قل في غابته ربّما ، انتظرنا فلقد أبهظنا رحيلك المُبكّر!










1 تعليق
الإثنين 12 ديسمبر 2011 @ 11:03 ص
لكم كل الشكر و التقدير لذكر عمي الشاعر الثائر الراحل
اكتب تعليق