• 02سبتمبر

    أدونيس

    - 1 –

    في عددٍ أخيرٍ من جريدة «ليبراسيون» الفرنسيّة، (16 آب، 2010) رأيت نماذج من الحجارة التي يستخدمها الرّاجمون في إيران. كانت تُحيط بامرأةٍ طُمرت في التّراب حتى صدرها. (يُطمر الرّجل الذي يُرجم حتّى العنق).

    معظم الحجارة سوداء اللون، بأشكالٍ مربعةٍ ومستطيلة. وجه المرأة، كما بدا في الصورة، يشعّ صلابةً واستغراباً.

    تخيّلتُ نفسي بين من يرجمونها حتّى الموت. لكن، سُرعان ما تساءلتُ: هل أقدرُ، حَقّاً، أن أفعل ذلك؟ وشككتُ في قُدرتي. إذ، بأيّ عقلٍ، بأيّ قلبٍ، بأيّة ثقافة، أقذف بالحجارة رأسَ كائنٍ بشريٍّ، مقيِّدٍ ومطمورٍ، حتّى يتهشّم ويموت؟

    وقلتُ: ألن يكونَ رجمي له، رجماً لنفسي أوّلاً؟ ذلك أنني لا أرجمُ فيه مجرّد اللّحم والعظم، وإنما أرجمُ الجوهر الإنسانيّ الذي فيه، الجوهر المشترك بين البشر جميعاً، كأنّني في ذلك أرجم الخليقةَ كلّها.

    - 2 -

    «… وجاءه معلمو الشريعة والفرّيسيون بامرأةٍ أمسكها بعض الناس وهي تزني، فأوقفوها في وسط الحاضرين، وقالوا له: يا معلّم، أَمسكوا هذه المرأةَ في الزنى. وموسى أوصى في شريعته برجم أمثالها، فماذا تقول أنت؟ وكانوا في ذلك يحاولون إحراجَهُ ليتّهموه. فانحنى يسوعُ يكتب بإصبعه في الأرض. فلما ألحوّا عليه في السؤال، رفع رأسه وقال لهم: «من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بأوّل حجر». وانحنى ثانيةً يكتب في الأرض. فلما سمعوا هذا الكلم، أخذت ضمائرهم تُبكّتهم، فخرجوا واحداً بعد واحد، وكبارهم قبلَ صِغارهم، وبقي يسوع وحده، والمرأة في مكانِها. فجلس يسوع وقال لها: «أين هم، يا امرأة؟ أما حكم عليكِ أحدٌ منهم؟» فأجابت: «لا، يا سيّدي» فقال لها يسوع: «وأنا لا أحكم عليكِ. اذهبي، ولا تُخطئي بعد الآن». (إنجيل يوحنا، 8: 1-11).

    ـ 3ـ

    «منعت السلطات الإيرانية الاحتفاء بذكرى الشاعر الراحل منذ عشر سنوات، أحمد شملو، بعدما تجمّع حشدٌ من المعجبين به حول قبره، وبينهم زوجته».

    عرفت أحمد شملو. كان مناضِلاً ضدّ دكتاتوريّة الشاه، في صفوف اليسار الشيوعي. لكنــــه فـــي المقــــام الأول، كان شاعراً يشارك، بعمقٍ وفرادةٍ، في إعطاء طهران، مسقط رأسه، بُعدها الخلاّق، إنسانيّاً وفنّياً.

    من «يرجمُ» الشـــعر كــمثل من يقطعُ الغُصن الذي يقفُ عليه في شجرة الوجود. ومنع الاحتفاء به كمنع الاحتفاء بالهواء والضوء.

    الشعر جوهر اللغة والإنسان، فيما وراء الأنظمة وسياساتها، وفيما وراء الإيديولوجيات والتناقضات. السلطة التي «تقتل» الشعر، تقتل اللغة، والهويّة، وتقتل الحياة نفسها.

    ما تكون طهران الثقافة بدون حافظ وسعدي والخيّام، وبقيّة الكواكب؟ ما تكون إذا طُمِس إبداع أبنائها، شعراً وفنّا وفلسفة؟

    التحية لك، ولشعرك، ولذكراك، أيّها الشاعر الصّديق.

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات
    نشر في: الخميس 2 سبتمبر 2010 @ 01:09

اكتب تعليق