
تدور حالياً في مصر مواجهات دينية أصولية إسلامية-أصولية قبطية مسيحية وذلك بخصوص واحدة من أبرز المشكلات تعقيداً، وفي هذا الخصوص نشير إلى الآتي:
- غادرت سيدة مصرية تدعى كاميليا منزلها واختفت لفترة.
- ظهرت السيدة كاميليا بعد فترة وهي ترتدي الحجاب وتبين أنها قد اعتنقت الدين الإسلامي، وأعلنت إسلامها رسمياً.
- السيدة كاميليا متزوجة من أحد القساوسة المسيحيين الأقباط، وقد أدى اعتناقها للإسلام إلى حالة من الهيجان والغضب في أوساط الرأي العام القبطي المصري، وأيضاً في أوساط رجال الدين المسيحيين الأقباط.
- اختفت السيدة كاميليا للمرة الثانية لفترة من الوقت، وتبين بعد ذلك أنها محتجزَة داخل أحد أديرة الكنائس المسيحية القبطية في مصر.
- زحفت مجموعة من الأصوليين الإسلاميين وقامت بمحاصرة الكنيسة مطالبةً السلطات المصرية بالتدخل لإطلاق سراح السيدة كاميليا.
- رفض رجال الدين المسيحيون الأقباط رفضاً قاطعاً الإفراج عن السيدة كاميليا.
- رفض الأصوليون المسلمون رفضاً قاطعاً التخلي عن محاصرة الكنيسة إلا ومعهم السيدة كاميليا.
حتى الآن، يبدو أن موضوع السيدة كاميليا وكأنما يندرج ضمن الإشكاليات المتعلقة بالصراع الإسلامي-المسيحي القبطي الذي ظل لفترة طويلة دائراً في الساحة المصرية. ولكن الأمر هذه المرة له العديد من الجوانب الأخرى:
• زعمت الدوائر الكنسية المسيحية القبطية بأن السيدة كاميليا لم تعتنق الإسلام، وإنما تم إرغامها على ذلك، فقد تم اختطافها بواسطة بعض المسلمين وتم احتجازها وإخضاعها لعملية غسيل مخ، ثم على خلفيتها تم تحويلها إلى الإسلام، وبالتالي، فإن الكنيسة المسيحية القبطية تقوم حالياً بأداء واجبها الديني الشرعي من أجل تخليص السيدة كاميليا من تداعيات ما تعرضت له، وذلك عن طريق احتجازها في الدير لفترة علاج نفسي-روحي تعيدها إلى توازنها السابق بما يجعلها تعود إلى بيت زوجها وعائلتها.
• زعمت الدوائر الإسلامية بأن السيدة كاميليا غادرت بيت زوجها بإرادتها وجاءت إلى الدوائر الإسلامية وأعلنت عن اعتناقها الإسلام عن طوع واختيار، وبالتالي فِإن حالتها تخضع لكل الضوابط الشرعية الخاصة بالمسلمين، وذلك بما يلقي المسؤولية الكاملة على المسلمين لجهة القيام بحمايتها ورعايتها وفقاً للأطر والثوابت الشرعية الإسلامية.
تزايدت تداعيات مشكلة السيدة كاميليا، بما أدى إلى توتير العلاقات المسيحية-الإسلامية المتوترة بالأساس في مصر، وما هو أكثر خطورة في هذه المشكلة، ما يدور حالياً داخل الكنيسة وخارجها، فمن جهة ظلت كل الدوائر الإسلامية المصرية الرسمية وغير الرسمية غير مقتنعة بسردية الكنيسة القبطية المتعلقة بالسيدة كاميليا، وذلك على أساس اعتبارات أن اعتناق السيدة كاميليا للإسلام هو أمر نهائي لا رجوع عنه، وحتى إن خرجت السيدة كاميليا من الكنيسة وأعلنت تمسكها بالمسيحية فإن الأمر سوف يدخلها في دائرة حكم الردة في الإسلام، وبالتالي إذا لم تقم السلطات المصرية بالتعامل معها كمرتدة، فإن الجماعات الأصولية الإسلامية سوف تتكفل القيام بالأمر، إضافة إلى تكفل التعامل مع القساوسة الذين أخرجوا السيدة كاميليا من الإسلام. ومن الجهة الأخرى، فإن السيدة كاميليا إذا وافقت على مبدأ التخلي عن اعتناق الإسلام والعودة إلى المسيحية القبطية، فإنه في هذه الحالة يتوجب عليها إما البقاء داخل الدير للأبد أو البحث عن طريق تتيح لها ليس الخروج من الدير وحسب وإنما مغادرة مصر والخروج منها إلى بلدٍ آخر. وأما في حالة رفض السيدة كاميليا التخلي عن اعتناقها للإسلام، فهي في هذه الحالة سوف يكون عليها مواجهة الموت داخل الدير وفقاً لمعطيات “قتل الشرف” أو البحث عن طريق للهرب من الدير الذي يبدو وعلى وجه الخصوص في هذه الأيام عصياً للغاية على أي محاولة للهروب يمكن أن تسعى كاميليا لتنفيذها.
تقول التقارير والتسريبات الخافتة بأن عدداً من أعضاء الكونغرس الأمريكي قد أعدوا خطاباً مطلبياً موجهاً للإدارة الأمريكية يتعلق مضمونه بتطورات الأحداث والوقائع الجارية في الساحة المصرية، وتقول التسريبات بأن مضمون الخطاب قد ركز على الآتي:
- الحديث عن الانتهاكات والجرائم التي يتعرض لها المسيحيون الأقباط في مصر.
- وصف الصدامات الإسلامية-المسيحية الجارية في مصر على أساس اعتبارات أنها محاولات إسلامية تهدف إلى استئصال الوجود المسيحي في مصر.
- مطالبة الإدارة الأمريكية بالمزيد من التحركات لجهة حماية المسيحيين الأقباط أولاً ثم السعي من أجل تعزيز وضعهم باعتبارهم يتعرضون للمزيد من عمليات التهميش والإقصاء داخل مصر.
جاءت خلفيات الخطاب على أساس المعلومات التي بدأت تجد إقبالاً متزايداً بواسطة دوائر اللوبي الإسرائيلي، وهي المعلومات التي تركز على تأكيد المزاعم والفرضيات الآتية:
• إن الأقباط هم السكان الأصليون لمصر.
• إن الوجود العربي-الإسلامي هو وجود جائر قام على أساس اعتبارات القضاء على السكان الأصليين المصريين والذين هم الأقباط.
هذا، وتشير التسريبات إلى أن دوائر اللوبي الإسرائيلي تسعى بالتعاون مع بعض الجمعيات المسيحية القبطية المتطرفة الناشطة في أمريكا وبلدان الاتحاد الأوروبي لجهة خلق ملف صراع مصري قبطي-إسلامي داخلي شبيه بملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بحيث يبدو فيه الأقباط في نفس دور اليهود الذين تزعم السرديات المفبركة بأنهم السكان الأصليين في المناطق التي يطلق عليها العرب والمسلمون أرض فلسطين. وبالتالي، إذا كان اليهود يسعون من أجل استعادة أراضيهم وبناء دولتهم اليهودية، فإن على أمريكا أن تساعد الأقباط المصريين لجهة القيام باستعادة أرضهم المصرية وإقامة دولتهم المسيحية-القبطية.
• تفترض الدراسات القبطية المتطرفة بأن سكان مصر الأصليين لم يكونوا يتحدثون اللغة العربية، وقد تم فرض عملية التعريب القسري على المصريين بواسطة السوريين الذين احتلوا مصر في عهد الخليفة الأموي السوري معاوية بن أبي سفيان.
• تفترض الدراسات القبطية المتطرفة بأن سكان مصر الأصليين كانوا يعتنقون المسيحية القبطية وبأنهم تعرضوا لعملية أسلمة قسرية علي يد السوريين المسلمين الذين جاؤوا إلى مصر في عهد الخليفة الأموي السوري المسلم معاوية بن أبي سفيان.
وإضافة لذلك، فقد سعت الجمعيات المسيحية القبطية المصرية إلى إغراق الساحة الأمريكية بسيل من المعلومات المغلوطة، وفي هذا الخصوص تسعى هذه المعلومات المغلوطة إلى تضليل الأوساط بالمزاعم الآتية:
- تقديم الإحصاءات المغلوطة التي تقول بأن أغلبية سكان مصر هم من الأقباط وليسوا من العرب-المسلمين.
- تقديم الوقائع المغلوطة التي تقول بأن الأقباط المسيحيين المصريين يتعرضون لعمليات الخطف والإرغام على قبول الأسلمة القسرية.
- تقديم المعلومات المغلوطة التي تتهم السلطات المصرية بأنها تدعم انتهاكات الجماعات الإسلامية ضد الأقباط وتقوم بلفلفة الأمور والتغطية عليها.
تقول المعلومات، بأن تحركات أعضاء الكونغرس الأمريكي لم تتوقف فقط عند حدود الضغط على الإدارة الأمريكية وحسب، وإنما سعت إلى الضغط على الرئيس المصري حسني مبارك، وذلك لجهة حثه على تقديم المزيد من المزايا لصالح أقباط مصر، إضافة إلى العمل من أجل توفير الحماية الرسمية اللازمة لهم، بما في ذلك إعطائهم نصيباً أكبر في قسمة السلطة والثروة، إضافة إلى تقديم التعويضات اللازمة لجهة تغطية الخسائر وتخفيف المعاناة التي ظلوا يتعرضون لها على يد العرب-المسلمين، وإضافة لذلك فقد سعى تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الخاص بموقف الحقوق الدينية في العالم إلى وضع اسم مصر ضمن قائمة الدول التي تنتهك الحريات الدينية، وإضافة لذلك جاءت منظمة هيومان رايت ووتش لتقوم بإدراج أقباط مصر ضمن المجموعات التي تتعرض للاضطهاد الديني ومخاطر العقاب الجماعي والتطهير العرقي.
تقول التسريبات بأن عدداً كبيراً من رموز الجماعات القبطية المصرية أصبحوا يجدون سوقاً رائجة في تقديم المعلومات غير الصحيحة لرموز الكونغرس الأمريكي المعادين للعرب والمسلمين، وتقول بعض التسريبات الأمريكية الأخيرة الصادرة بالأمس بأن المستشار القانوني الخاص بالزعيم الديني القبطي بابا شنودة هو من أبرز مصادر تقديم المعلومات غير الصحيحة للأمريكيين عن أوضاع الأقباط في مصر.
على الأغلب أن يسعى تحالف صقور الإدارة الأمريكية-جماعات اللوبي الإسرائيلي-المتطرفين الأقباط إلى العمل باتجاه تصعيد ملف أقباط مصر ليأخذ طابع الأزمة الدولية-الإقليمية، وذلك بما يجعل له تداعيات عابرة للحدود بما يتيح تمهيد المسرح الدولي والإقليمي لجهة المزيد من التحركات والتي بلا شك سوف تتضمن المزيد من عمليات العقاب الجماعي ضد المصريين، وأيضاً ضد الحكومة المصرية، فما الذي سوف يحدث في مصر خلال الأشهر القادمة، وما الذي سوف يحدث في واشنطن وكيف سيكون تدخل الأطراف الثلاث عبر أياديها الخفية في مصر .
عن موقع الجمل بتصرف










اكتب تعليق