
بقلم ستالين
قليلون هم الساسة الذين يخترقون حدود حقولهم السياسية، وذلك في انشغالهم باليومي وبشكل خاص عندما يكون السياسي في موقع لا يتيح له من الفراغ وعوامل المتابعة الشيء الكثير، وخالد بكداش هو واحد ومن هؤلاء الذين سجلوا هذا الاختراق لدائرة اهتماماته السياسية باتجاه عشقه للأدب وقراءاته له، والتأكيد على دوره وفاعليته الجمالية والاجتماعية ليغدو بذلك استثناء كما كان كذلك في السياسة والفكر أيضاً، فهو كما يعلم القاصي والداني أمضى جل أيامه في قيادة الحزب الشيوعي السوري يما يترتب على ذلك من مهام ومتابعات لا تسنح له هامش أو فائض وقت لكنه ومنذ سنوات شبابه سجل حالة نوعية من خلال مطالعاته
الغزيرة في الأدب العربي والعالمي، وهذا ما شكل أحد العوامل الأساسية لغلبة النوعية الأدبية حتى على كتابات خالد بكداش السياسية وامتلاكه ذائقة أدبية وجمالية رفيعة. فالملاحظة التي يمكن أن يسجلها أي قارئ لكتاباته أو حواراته هي اطلاعه الواسع على الأدب العربي قديمه وجديده ولاسيما الشعر من امرئ القيس وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم وعنترة والمتبني والبحتري وأبي العلاء المعري مروراً برئيف خوري وأحمد شوقي والجواهري إلى نزار قباني وسعيد عقل وهذا الاطلاع أغنى قاموسه الأدبي وخزينته الجمالية من خلال الاستشهادات الأدبية الحارة في كتاباته السياسية. فقد كان يردد باستمرار قول المتنبي: وإن لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جباناً وكثيراً ما استشهد في خطاباته السياسية بقول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقد كان شديد الولع بمعلقات الشعر العربي يحفظ الكثير منها عن ظهر قلب محباً وعاشقاً لشعر المتبني لأن شعره جزل، دسم وفيه رجولة.
والطريف أولاً أن خالد بكداش يستشهد من معلقة امرئ القيس في إحدى حواراته بهذا الغزل الجميل فيها: أفاطم مهلاً، بعد هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي وإنك مهما تأمري القلب يفعل وهذا الاهتمام يعكس العمق الوجداني والإنساني لدى خالد بكداش والطريف ثانياً أنه وبحس نقدي عال للأدب يحب الأدب من خلال تحقيقه لعنصر الفن والجمال فيه، والحكم عليه من خلال أدبيته. وهذا في ظني معيار نقدي لم ينتبه إليه الكثيرون وهو يسجل لخالد بكداش في مضمار فهم ماهية الفن وخصوصيته فالسياسي الكبير الذي تعنيه وتشغله قضايا السياسية أولاُ يعرب عن تقديره وحبه وحفظه أيضاً لشعر ثلاثة من الشعراء في العالم العربي بصرف النظر عن اهتماماتهم السياسية وهم: محمد مهدي الجواهري ــ نزار قباني ــ سعيد عقل.
والقضية الأخرى التي تستوقف القارئ لكتابات خالد بكداش هي هذا الإيمان العميق برسالة الأديب في الحياة التي يرى فيها استكمالاً لرسالة السياسي. بل أنه كان يشعر بفقر السياسة حين تخلو من الأدب، حيث يقول في ذلك: «لقد ظللنا طوال سنوات رغم سيرنا عدداً ونفوذاً وصلابة ونضجاً في صعود دائم نشعر بفقرنا، نشعر به أشد الشعور وأعمقه وآلمه، كنا نعرف مكسيم غوركي و رومان رولان وبرنارد شو وهنري باربوس هذه الأسماء التي يعتز بها رفاقنا في الغرب، كنا نقرأ عنهم فتمتلئ قلوبنا غبطة، ولكنها تفيض حسرة، كنا نريد لنا اسماً عربياً مثل هذه الأسماء يوطد ثقفتنا بقضيتنا، قضية الحرية والنور في شرقنا العربي» . وأعتقد أن هذه الإشارة تلخص التقدير العالي لدور الأدب والأدباء في حياة الشعوب وفي معركة الحرية، لكن خالد بكداش لا يكتف هنا عند هذا الحد بل يذهب أبعد من ذلك في تقييمه للأديب حيث يرى أنه أكثر أهمية من أي مناضل سياسي فحين يأتي إلى عمر فاخوري زائراً له في مرضه يقول: «الواحد منا نحن المناضلين السياسيين تمكن الاستعاضة عنه أما أنت فمن الصعب بل من المتعذر الاستعاضة عنك».
وشعوراً منه بهذه الأهمية لعمر فاخوري كتب مجموعة من الدراسات يحلل فيها كتبه العديدة:«أديب في السوق» و«كيف ينهض العرب» و «الباب المرصود». وغيرها ويتطرق لفترة الانعطاف في مسيرة فاخوري الأدبية والانتقال الشامل إلى صفوف الشعب.
الملاحظة الأخرى والأكثر أهمية هي امتلاك خالد بكداش حساً نقدياً مرهفاً وأدوات تحليل وجرأة في طرح مفاهيمه الخاصة لبعض القضايا الأدبية من خلال الإشارة إلى سلبيات فيها وهي تعكس في الحصاد الأخير، ففي تحليل له لقصة عصام الدين ناصيف«عاصفة فوق مصر». والتي ظهرت في الثلاثينات وتناولتها أقلام النقاد بالمدح والثناء يقف فيه خالد بكداش على أكثر من مسألة في القصة ومنها قضايا فنية صرفة على علاقة بالصدق الفني ومسألة الإقناع في القصة وينتقد فيها هذا الانزياح للكاتب باتجاه تمجيد الإرهاب أو العمل الفردي لإشباع روح الانتقام التي تسيطر على الفلاح نتيجة الظلم ويؤكد أن استعادة الحقوق لا يمكن إلا بعمل جماعي واع ومنظم.
الجرأة التي تميز بها خالد بكداش في طرح قناعاته ورؤيته السياسية المشتقة من فهمه العميق للماركسيةــ اللينينية. هي ما تميز بها في الوقوف من القضايا الأدبية أيضاً فقد سجل ملاحظاته على الواقعية الاشتراكية وقال عنها: «إنها لم تكن موضوعية تماماً، يعني كانت تجري عندهم محاولة إظهار الجوانب الإيجابية فقط ويهملون الجوانب السلبية، كان من الضروري تناول الجانبين معاً» إن هذه الرؤية النقدية للواقعية الاشتراكية كما كانت تشكل سبقاً بل حالة ريادية تميز بها هو وحده في مواقفه السياسية من موضوعة. حل الأحزاب الشيوعية وطريق التطور اللارأسمالي والبروسترويكا التي عارضها خالد بكداش وبذلك سجل فهمه و إخلاصه لمرجعيته الماركسية ــ اللينينية وافتراقه في الموقف منها عن الكثير من الأحزاب الشيوعية.
كما أنه امتلك رؤية طليعية وفهماً خاصاً فيما يتعلق بحرية الأديب فهو كما يقول «من أنصار الحرية الكاملة للأديب ولكن التصحيح ممكن إذا كان بعض المواقف السياسية غير صحيحة» وكذلك«النقد أيضاً يجب أن يكون حراً» من خلال هذا الفهم لحرية الأديب لم ير خالد بكداش من مبرر لمنع أعمال بوريس باسترناك في الاتحاد السوفييتي ويتساءل: وهو يمتلك رؤية واضحة للعلاقة بين الشكل والمضمون في الأدب فهو لا يقف مع تسطيح الأدب لكن عنده: «يجب أن يؤدي توجيه الأدب في النهاية إلى هدف» خالد بكداش الذي قرأ وأحب الروائيين العالميين: موباسان ــ أميل زولا ــ بلزال ــ أندريه مالرو ــ مكسيم غوركي ــ دوستوفسكي ــ تشيخوف ــ تولستوي ــ هنري ترويا ــ تشارلز ديكنز ــ عبد القادر المازني ــ عمر الفاخوري ــ حنا مينه ــ فارس زرزور ــ عبد الرحمن منيف ــ نجيب محفوظ ــ يوسف إدريس ــ جورج أمادو. آمن برسالة هؤلاء.. وامتلك فهماً لهذه الرسالة فهو يرى أن أحسن المحسنين إلى البشرية فيما لاقته وملا تلاقيه من عذاب وآلام هم: الموسيقيون والشعراء والروائيين والقصصيون.










4 تعليقات
الخميس 9 سبتمبر 2010 @ 4:31 م
كل فتى سيرتن تسير احيييك
الخميس 9 سبتمبر 2010 @ 11:33 م
الحزب الشيوعي السوري وخالد بكداش صنوان لا يفترقان
أسئلة كثيرة ودائمة يطرحها البعض على الشيوعيين. أسئلة تحمل في طياتها الخسة والخبث وإن حاولوا تغليفها بغير ذلك.
أسئلة تهدف إلى النيل من الشيوعيين وتاريخهم النضالي الطويل، تهدف إلى زرع اليأس في قلوب الشيوعيين للوصول إلى أن كل نضالهم عبثي لا طائل له.
أسئلة عن مبرر وجود الحزب الشيوعي، أسئلة عن الماضي والوقوف على أطلاله.
أسئلة عن الشراذم، وأسئلة عن قيادة الحزب التاريخية والحالية وأسئلة كثيرة.
أكثر ما تأتي هذه الأسئلة من بعض الذين لم يستطيعوا متابعة مسيرة الحزب المجيدة، والذين يحاولون تبرير خروجهم من صفوف الحزب وهذا في أحسن الحالات. يريدون أن يصاب مناضلو الحزب بطاعونهم. والبعض الآخر يصاب بالدوار حين يسمع باسم حزب شيوعي أياً كان فكيف حين يكون الحزب الشيوعي السوري؟ هذا الحزب الذي لم تلن له قناة في مقاومة ومحاربة الإمبريالية والصهيونية والقوى الرجعية والبرجوازية الطفيلية والبيروقراطية والبرجوازية الجديدة والليبرالية الاقتصادية.
نعم .. إن تاريخ ونضال الشيوعيين الذين يحتفلون هذا العام بالذكرى /85/ لتأسيس حزبهم المجيد، هذا التاريخ الذي يحتاج لعشرات الكتب لتدوينه. ولكن سنقول كلمة صغيرة.
هل يستطيع أحد ما كائناً من كان أن يكتب تاريخ سورية الحديث وأن يتجاهل الحزب الشيوعي السوري ودوره؟ هل يستطيع أحد أن يكتب عن رجالات سورية دون أن يتصدر اسم خالد بكداش القائمة؟
السبت 18 سبتمبر 2010 @ 3:06 م
إن المهمة الأساسية والواقعية والممكنة التحقيق هي ما قاله الرفيق خالد بكداش: «إلى الأمام أيها الرفاق نحو حزب لا يكتفي برصيده الوطني والسياسي الطويل، بل وفوق ذلك نحو حزب جماهيري واسع المواقع، بين العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين والنساء والشباب وسائر الكادحين بسواعدهم وأدمغتهم».
السبت 18 سبتمبر 2010 @ 5:13 م
رمزي افندي وهل لديك شك فيما تقول نحن الذين وقفنا في القامشلى وعامودا امام الفلاحين اولم تسمع نحن الذين عندما نقف يهرب الاقطاعي اولم تسمع بالدين هددوا احد قاداتنا في الجزيرة اولم يركعوا لن تستطيع قوى في العالم ان تحرفنا من الخط الي رسمه قائد الشيوعيين الخالد خالد بكداش خليك تجمع مصاريك احسن لك نحن قدمنا الغالي والرخيص ولن نبخل بدمنا ونحن معروفيين ……….شبيبة القائد الخالد خالد بكداش
اكتب تعليق