هذا نصٌّ سريانيٌّ (آرامي) قديم. وقد كُتب في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، وتحديداً: قبل خمسٍ وخمسين وخمسمائة وألف، من سنين هذا الزمان. أما الكاتب، فهو راهبٌ مصريٌ من ذاك الزمان يدعى هيبا. وأما المترجم، فهو كاتب من هذا الزمان يدعى يوسف زيدان، والنص مقتطع من كتابه، الأشهر والمثير للجدل، عزازيل.
ومع أننا لسنا مهتمين كثيراً بالجدل الدائر حول هذا الكتاب، لما يحتويه من إشكاليات لاهوتية كثيرة (والتي سماها بعض المتدينين هرطقات)..
ولأننا ننظر للموضوع من وجهة أدبية صرف..
ولأننا نعتقد برفعة النص، وحلاوة الأسلوب، وبدعة الوصف، وتحليق الخيال..
لهذه الأسباب، وغيرها، تجرأنا على نشر النص القادم (هذا إن مرّ من رقابة الموقع بأمان). مع ضرورة التنبيه مسبقاً بأن (غوايات أوكتافيا) يحتوي على غير قليلٍ من الوصف الجنسي، الإباحي، الفاحش.. والملتهب!!
غوايات أوكتافيا
ما الذي يريده عزازيل مني، ولماذا يدفعني لكتابة ما كان وما هو كائن؟ لا بد أن له غرضاً شريراً، موافقاً لطبيعته. لقد احتال عليَّ حتى أغواني بحكاية ما جرى مع أوكتافيا من فُحشٍ وخطيئة، فتدنّستْ روحي وتكدّرتْ.
ـ وهل كانت روحك صافيةً، يا هيبا، قبل الكتابة؟
ـ عزازيل! جئتَ..
ـ يا هيبا، قلت لك مراراً إنني لا أجيء ولا أذهب. أنت الذي تجيء بي، حين تشاء. فأنا آتٍ إليك منك، وبك، وفيك. إنني أنبعثُ حين تريدني لأصوغَ حلمكَ، أو أمدّ بساط خيالك، أو أقلِّب لك ما تدفنه من الذكريات. أنا حامل أوزارك وأوهامك ومآسيك، أنا الذي لا غنى لك عنه، ولا غنى لغيرك.
ـ وماذا تريد الآن؟
ـ أريدك أن تكتب يا هيبا. اكتب كأنك تعترف، واحكي ما جرى بينكما أنت وأوكتافيا!
ـ الاعترافُ طقسٌ بديع، يطهرنا من خطايانا كلها، ويغسل قلوبنا بماء الرحمة الربانية السارية في الكون. سأعترفُ ولن أخفي سراً، لعلّني من بعدِ ذلك أنجو:
لطالما أحببتُ الأشياءَ التي تتم، فقط، في داخلي. يريحني أن أنسجَ الوقائعَ في خيالي، وأحيا تفاصيلها حيناً من الدهر، ثم أنهيها وقتما أشاء. تلك كانت طريقتي التي تعصمني من ارتكاب الخطايا، فأظل آمنا. غير أن ما جرى على الشاطئ الرملي الصخري، الواقع شرفيَّ الاسكندرية، كان مختلفاً.. كان فعليّاً، ومؤرّقاً لي لزمنٍ طويلٍ تالٍ.
كان الهواءُ قد صار بارداً، حين خرجتُ من البحرِ ناجياً من الدوّامة الغادرة. وكنتُ وحيداً، جداً، مع المرأة التي اسمها أوكتافيا، فلم أستطع تدبُّر الأمر. هي دبَّرت كلّ الأمور، لأنها وفق ما أخبرتني به في اليوم الثالث، كانت تنتظر وقوع نبوءةٍ أخبرتها بها عجوزٌ من كاهناتِ المعبدِ المهدوم.. سوف أقصُّ ما جرى بيننا:
حين تركتني أوكتافيا عند ملابسي، ومشت بدلالٍ نحو الشقِّ الصخريِّ. وقفتُ مشدوهاً، وقد تسمَّرت بها عيناي. قبل أن تتوارى بمؤخرتها العالية الرشيقة بين الصخور، نظرتْ نحوي نظرةً ولهى. وأشارتْ بذراعها اليسرى إلى أسفلِ بطني، وهي تقولُ باسمة:
ـ هل ستظلُّ واقفاً هكذا، للأبد. البسْ جلبابكَ ليداري ما أنت فيه، والحقْ بي بسرعة.. هئ هئ!
ارتبكتُ حين انتبهتُ لانتصابِ شيطاني من تحتِ سروالي المبلولِ بماءِ البحرِ المالح. التقطتُ جلبابي وألقيته فوقي، ومشيتُ إلى المغارةِ الصخريّةِ القريبةِ حيث غابت هي عن عينيَّ المشدوهتين. أردتُ أن أعتذرَ لها عن كل شيء، وأشكرها، ثم أستأذن منها، وأمضي بعيداً أجرُّ ذيولَ خيبتي وفحشي.
وقفتُ أمامها مرتبكاً عند مدخل المغارة الصخرية الصغيرة التي جلستْ هي في وسطها.. كانت تُخرجُ أشياءَ من قفصٍ أنيقٍ من ذلك النوع الذي يصنعه الفلاحون لأسيادهم من رقائق جريد النخيل. رأيتُ من مكاني ومن جلستها انضمامة نهديها. كنتُ قد رأيتُ قبل ذاك اليوم نهودَ نساءٍ يُرضعن أطفالهن، لكن ما رأيته يومها كان مختلفاً. خلق الله النهود كي يُرضعن بها، فلأي سببٍ آخر خلق هذين النهدين؟
كانت أوكتافيا مشغولةً عني بما تفعله.. فرشتْ على الأرض منديلاً كبيراً، وبعناية ماهرة وضعتْ على أطرافه الأربعة قطعاً من صوان البحر المتناثر في أرض المغارة، ثم أخذتْ تصفُّ على المنديل المأكولات: بيضٌ مسلوق، أرغفةُ الدقيق الأبيض، الجبنُ الأبيض، جبنٌ آخر أشد بياضاً، ماءٌ أو نبيذٌ في قنينة خزفية بيضاء.. كل شيء على المنديل الأبيض الكبير، كان أبيض. ثوبها الشفيف أيضاً، كان أبيض. نهدها المطلُّ، أبيض. بشرتها، كلها، بيضاء.. وكانت دهشتي بيضاء.
ـ اجلس هنا.
جلستُ مستسلماً مسحوراً. سلَّمتُ نفسي لها، وأسلمتني هي إلى خدرٍ لذيذ. فعلتْ ما لم يفعله أحدٌ معي من قبل، ولا من بعد، حتى في زمن طفولتي. راحتْ تضعُ الطعام في فمي، وتبتسمُ لي حتى أبلع اللقمة السابقة، فتضع التالية. تمنَّعتُ في البداية، ثم استحليتُ الأمر، وأكلتُ من يدها هانئاً كطفلٍ رضيع.
شبعتُ حتى ظننتُ أنني لن أجوعَ بعدها أبداً. لما زممتُ شفتي في وجه اللقمة الأخيرة، أعادتها لفمي حتى فتحته.. مدَّتْ يدها اليمنى برفقٍ نحو القنينة، ويدها اليسرى مدتها بحنوٍ آسر نحو كتفي اليسرى، فأمالتني برقةٍ إلى صدرها. ارتبكتُ وصحتُ فيها فزعاً:
ـ ماذا تفعلين؟
ـ سأسقيك أطيب نبيذٍ سكندري، بطريقتي.
كانت طريقتها أن أريحَ خدّي الأيمن على نهدها الأيسر، حتى يلتصقَ شقُّ وجهي بنعومة صدرها الممتلئ. قاومتها قليلاً، ثم استسلمتُ. لم أشعر قربها بخطر الخطية، وإنما شعرتُ بأنني أغوصُ فيها، وأنسى ما عداها. وحين أحاطَ باطنُ ذراعها اليسرى بكتفيَّ، أحسستُ أنها احتوتني للأبد، وأن وجودي اضمحلَّ حتى تلاشى بحضنها الدفيء.. براحتها اليمنى راحتْ تقرِّبُ القنينة من شفتي، فتداعب بفم القنينة فمي، ثم تسكبُ في روحي رشفات من نبيذها السماوي. لم أذقْ مثل هذا النبيذ، ولم أشربْ بعدَ أيامي هذه مع أوكتافيا أيَّ نبيذ.. لما ارتويتُ أغمضتُ عينيَّ، فأحسستُ بخدرٍ يتخلّل روحي، ويرتفع بي إلى آفاقٍ عُلوية. لم أفتح عينيُّ، إلا حين قالت:
ـ اشرب المزيد، النبيذ مفيد يا حبيبي.
ـ حبيبك.. كيف تقولين هذا؟
ـ لا تسأل.. ولا تجادل حوريات البحر. أغمضْ عينيك، حتى تشعر بي أكثر.
كانت الشمسُ تستعد لمغيبها، وكان السكونُ تاماً من حولنا، إلا من صوت الموج. أغمضتُ عينيَّ رغماً عني، لم أستطع مدافعة حُضورها الإسكندراني الجارف. ظهر لي أنها محقة، فحين أغمضتُ عينيَّ على صدرها، ازداد شعوري بها.. وحين مرَّتْ براحتها اليمنى الحانية على رقبتي، أخذتني سكرةٌ. راحت هي تتلمّسُ عظام كتفيُّ، وتمرُّ بأناملها على صدريَ الجاف النحيل.. شعرتُ بيدها اليسرى تعتصرني، وبأنفاسها الفواحة بالتنهدات تلفحني. يدها اليمنى توغّلتْ تحت سروالي، المبلولِ بماءِ البحرِ والرغبةِ المحرَّمة. كانت يدها تغوصُ فيَّ، فتنتهكُ أرضي المستسلمة كلها، من أصابع قدميَّ إلى سائر جسمي المتكوِّم في حضنها. لمّا لمستْ بباطن كفها ركبتي اليمنى، وضمّتني إليها بقوة، غبتُ تماماً. كنتُ آدم الذي يوشكُ أن يخرجَ من الجنّة، لأنه يوشكُ أن يدخلَ الجنة فيأكل ثانيةً من الشجرة.. وبهذا الاشتهاء المحرم، المفعم بانجذابٍ سحريّ، كدت أُقبل عليها من غير رويّة.
ـ يا حبيبي، مهلاً. جسمك مبلولٌ بماء البحر.. جسمك يا حبيبي، يابسٌ كشجر الخريف. آه، كم أحبُّ يبوسة هذا الشجر.
أنا لم أكن ساعتها أنا.. شعرتُ كأنَّ الكونَ الأعلى توقّف عن دورانه، والنيلُ البعيدُ سكَن جريانه، ولم يعد على وجه الأرض بشر، واختفت الملائكة من السماء.. اندفق مائي في غفلةٍ منّي، فضحكتْ. وددتُ لو أحيطها بذراعيَّ، فتمنَّعتْ. ردَّتْ بدلالٍ يدي عن كتفها، وأخذتها نحو فمها. قبَّلتْ أطراف أصابعي، وأطالت القبلة. ولما شعرتُ بلسانها يلمس أناملي، غلبتني غيبوبة كادت تأخذني منها.
ـ الشمس غابت يا حبيبي، ستبرد.. تعال للبيت. إنه قريب، ولا أحد هناك إلا البواب الطيب.
أمضيت مع أوكتافيا فوق سطح المنزل ثلاث ليال سويا، فلم يشعر بنا أحدٌ سوانا. أنا لم أقرِّر شيئاً، هي التي أخذتني منذ الليلة الأولى، من الطابق الأعلى للمنزل إلى مكان إقامتها بالغرف الأعلى من الطابق الأعلى. مضت بي إلى الأعالي واثقة الخطى. صعدنا من بعد السلّم الكبير سلّماً آخر صغيراً، أوصلنا إلى غرفتها الفسيحة اللطيفة المبنية بعناية على سطح المنزل، ومن حولها امتدت بلاطات السطح الرخامية التي يحيط بها سورٌ أنيقٌ يؤطّر حوافَ السطح بقوائم قصار على هيئة نساءٍ رشيقاتٍ عارياتْ، يحملن جميعهنَّ طاولة رخامية طويلة، منحوتٌ فيها أنواع الفاكهة. ومن بين المسافات الممتدة بين تماثيل العاريات بالتساوي، يظهرُ البحرُ، وتظهر السماء النائمة فوق البحرِ. وددتُ لو اقتربتُ من السّورِ أكثر، فأرى ذاك المنظر الخلاب عن قرب. غير أن أوكتافيا نبهتني إلى أنني لو فعلت، فقد يراني حارس البيت الغافل عن وجودي.
حين دخولنا غرفتها، أسرجتْ أوكتافيا قنديلاً معدنياً شعَّ نوره في جوانب الغرفة، وأنارتْ هي روحي بقبلةٍ أبهتتني، وأشعلت اللهب بباطني، كنت قبلها أعرف لفظ القبلة من دون أن أدري ما هي.. أوكتافيا.. وهي تحتضنني قالت بلفظٍ ليّن، إنها تشمُّ فيَّ رائحة البحر التي تعشقها. ثم استمهلتني، ومشتْ متمايلة إلى سور السطح. نادتْ الحارسَ وكلَّمته بكلام لم أتبينه، وعادت مطمئنة باسمة لتأخذني إلى غرفة الحمام المجاورة لغرفتها. هي غرفة صغيرة، وفي وسطها حوض رخامي شبيه بتوابيت الجرانيت الرمادية التي تملاْ المغارات في بلادي الأولى، غير أنَّ هذا الحوض كان رخامه أبيض، وله قوائم قصيرة، ومنقوشٌ على جوانبه صور المصارعين.
ضاحكةً، أزاحتني بصدرها إلى ناحية الحوض الرخامي، فتقدَّمتُ إليها وجلاً. رفعتْ بيديها جلبابي، فلم أمنعها، ثم أجلستني عارياً في قلب الحوض، وراحت تصبُّ حول جسمي المرتجف الماء العذب. استسلمتُ لها مسحوراً بكل ما حولي. سكبتْ في الحوض زيتاً عطرياً فواحاً، من قنينة كانت موضوعة على رفٍّ قريب، ثم تناولتْ بكفيها من الماء وفركت شعر رأسي، وتركتني لأكملَ تغسيلي. لما انتهيتُ، خرجتُ من الحوض الرخامي حذراً من الانزلاق، وغير حذر من انهياري إلى الهوّة التي كنت مقبلاً عليها، مستسلماً إليها.. ارتديتُ الرداء الواسع القصير، مطرّز الحواف، الذي أعطته أوكتافيا لي عند دخولي.
عند خروجي وجدتها في رداءٍ آخر، غير الأبيض الذي كانت ترتديه. رداؤها الآخر بدا لي على ضوء القمر، أكثر بياضاً وعرياً. عند باب الحمام التصقتْ بي، احتضنتني طويلاً بحبٍّ طاهرٍ من أيّ شهوة، وتنهدتْ، فمسَّ صدري حرُّ صدرها.. ثم تركتني لتفرش على أرضية السطح الرخامية سجادة، لا هي شرقية ولا غربية، ولا تشبه أيّ سجاد رأيته من قبل ولا من بعد. كانت أكثر زخرفةً من كل السجاد، وأكبر حجماً، وأنعم ملمساً، وأجمل تلويناً. فكانت أطرافها المزركشة، هي حدود عالمنا طيلة الليلة، حتى أخرجنا منها شعاع شمس الصباح.
أحضرتْ أوكتافيا من غرفتها كل شيء قد تريده. إبريق ماء، وطبقاً فضياً فيه فاكهة، ووسادتي رأس، ودثاراً من الصوف الناعم الملون.. لفّني عطرها لما جلستْ ملتصقةً بي وهي تهمس بأهمية أن نخفض صوتنا، لكيلا يسمعنا حارس المنزل الطيب، السهران مع خروفه خارج السور. ثم تمددتْ على ظهرها هانئة، وهي تبتسم للقمر البعيد. كدتُ أخرج عن ترددي المعهود، وأمدُّ يدي لألمس نهديها، لكنها استمهلتني وهي تقرِّبُ مني الطبق الفضي المليء بفاكهةٍ لم أعهد مثلها، ولم أذق أشدَّ حلاوة منها.
دنوتُ منها من دون أن ألتصق، فاستلقتْ ثانيةً على ظهرها، ومددتني بجوارها. النجوم كانت شبيهةً بالنجوم في بلادي الأولى، والسماء مثل التي كانت هناك، لكن الأرض كانت غير الأرض.. وكنت أنا غيري.
أخذت تداعبُ بأصابعها الناعمة أطراف أصابعي. ولما نظرتُ ناحيتها، رأيتُ دمعةً تسيلُ من عينيها، ولمّا تصل بعد إلى أذنها. مسحتُ دمعتها بأنامل كفّي اليسرى، وسألتها:
ـ لماذا بكاؤك الآن؟
أجابت باقتضاب بما معناه: هذه قصةٌ طويلة.. ثم أزاحت عن عينيها بقيةَ الدمع، ومالتْ بجسمها ناحيتي وقد وسَّدتْ رأسها بذراعها اليسرى، وأبقتني يدها اليمنى التي افترشت صدري مستلقياً. كانت، حسبما قالت، تريد أن تنظرَ فيَّ طويلاً؛ لأنها انتظرتني طويلاً!
بباطن يدها اليمنى التي كانت على صدري، أدارت وجهي نحوها واقتربت بوجهها لتقبلني قبلةً حريرية، كانت ساعتها وافيةً بمطلوبها وغير موفّيةٍ بمطلوبي. كان تنّوري قد فار، واشتعلتْ نارُ غواياتها الآسرة بباطني.. غالبتُ اشتهائي لها حتى انغلبْ، وآثرتُ الهدوء، وقد شعرتُ بشيءٍ من القلق يتسلّلُ إلى باطني. سألتني إن كنتُ أراها جميلة، فقلت مندفعاً أنها أجمل النساء..
أنزلتني السلّمُ الواصل بين سطح البيت وطابقه الأعلى. كانت درجاته عشرة، كأنها على عدد العقول السماوية الواصلة بين الله والعالم، بحسب ما يقول أفلوطين الحزين. عند الدرجة العليا، التصقت بي أوكتافيا وأخذت شفتي السفلى بين شفتيها، ثم راحتْ تمرّرُ لسانها على حافتها، حتى أوشكتُ مع ارتجافة اللذة أن يغمى عليّ. أشرق وجهها وهي تقول لي إن تلك، كانت القبلةَ الأولى من القبلات العشر التي ستغمرني بها!. بينما أهبطُ إلى الدرجة التالية، دسّت كفّها اليسرى من فتحة جلبابي، فاعتصرتْ إبطي اليمنى، وأحكمتْ التصاقي بالجدار بالتصاقها بي. كانت تعلوني بدرجة، فمالت بعنقها نحو أذني والتقمت شحمتها، فكأنها رضيعٌ يلتقم الحلمةَ من غير جوع. لمّا تنفستْ في أذني، سَرتْ بباطني رعشة. ترنّحتُ مع القبلة التالية، وكدتُ أتدحرج من فوف الدرج، فجلستُ وقد سرى فيَّ الخدر، فتركتها تفعل بي ما تشاء. ألقتْ عنها ثوبها، فألقيتُ عني ثوبي وقد أخذني الوهج.
عند نهاية الدرج كنا قد استلقينا أرضاً، والتحمنا تماماً، فكأننا المادة الأولى التي بدأ منها الوجود. كانت تمورُ تحتي وفوقي، مثل قطةٍ بريةٍ تفترسُ وتُفترس.. ولما هدأنا، هدأ الكونُ الصاخبُ من حولنا..
رفعتْ حاجبيها، وأشرق وجهها ببسمةٍ بدت معها أسنانها الناصعة، وقد زادها نور القمر بياضاً وألقاً.. ليلتنا.. كانت حافلة بالشهوات المحرمة التي أهبطت آدم من الجنة.. تُرى، هل طرد الله آدم من الجنة لأنه عصى الأمر؟!. أم لأنه حين عرف سر أنوثة حواء، أدرك رجولته واختلافه عن الله، مع أنه خلقه على صورته!
لماذا تدللني هذه المرأة؟ وكيف تعطيني هذه المحبة الدافقة التي تُغرق الكون، مع أنها لا تعرفني؟ وأنا لا أعرفُ عنها إلا ما أخبرتني به.. لا بدّ أنها أخفتْ عني أشياء، ولا بد أنّ أشياءَها المخفية مخيفة! وهي على كلّ حال امرأةٌ وثنية، وتعتقدُ في خرافات الآلهة اليونانية الحمقاء. الآلهة الذين يخادعون بعضهم، ويحاربون البشر، ويتزوجون كثيراً، ويخونون زوجاتهم! أيُّ خيالٍ مريضٍ أنجب آلهة اليونان. والأعجب أنّ هناك من يؤمنُ بهم! مثل أوكتافيا التي تعتقد أن إله البحر بوسيدون أرسلني إليها. ليس للبحر إله، وأنا لم يرسلني أحد.. ولكن كيف لي أن أعرفَ بيقينٍ أنها ضالّةٌ وأنا مهتدٍ؟ إنّ التوراة التي نؤمن بها، مليئةٌ أيضاً بمخادعاتٍ وحروبٍ وخياناتْ. وإنجيلُ المصريين الذي نقرأ فيه، مع أنه ممنوع، فيه ما يخالف الأناجيل الأربعة المتداولة! فهل هذا وذاك خيالٌ والله من وراء ذلك محتجبٌ وراء كل الاعتقادات؟
أخرجتني أوكتافيا من التيه بصحراء حيرتي. كان جانباً مني يريدها، ويحبُّ ذكاءها ومرحها ورائحة جسمها. نعم. كانت أوكتافيا ذكيةً، زكيةً، شهية. ولكنني ضيّعتها وضيّعتني، آه.. من يوقف بقلبي إعصار الأسى الفتاك.. سأتوقف الآن عن التدوين، وأهجع قليلاً، ثم أعود للكتابة إن أفقت من نومي.
***
ماهر سلوم










اكتب تعليق