• 21أكتوبر

    بقلم: غيث العبد الله

    أواخر خمسينيات القرن الماضي فكر أربعة من الشباب المتنورين، الميسوري الحال في ضيعتنا، والذين تعلموا القراءة والكتابة والحساب على يد خوري الضيعة، في أن يدخلوا السينما إلى ضيعتهم التي لا يتعدى عدد سكانها الثلاثة آلاف نسمة، بل أقل ويبنوا صالة خصيصاً لهذا المشروع.

    من المؤكد أن هذه السينما قد ساهمت بطريقة أو بأخرى في عملية النهوض الفكري والثقافي وربما في تعزيز الأسباب الداعية إلى أن تصدر الحكومة السورية مطلع الستينات قراراً بإنشاء منطقة الغاب، يكون مركزها “السقيلبية” ضيعتنا آنذاك، التابعة إدارياً لمحافظة حماة، مما يعني هذا أنها “تنظيمياً” لن تمر بمرحلة “الناحية” كخطوة لاحقة بعد القرية.

    افتتحت سينما (دُنيا) بالسقيلبية يوم سبت النور الذي يسبق عيد الكبير في شهر نيسان 1959 بعرض تجريبي بحضور أصحابها وبعض الضيوف المدعويين ثم تلاه عرض مجاني أول أيام عيد القيامة لعموم الأهالي وقد غصَّ بهم المكان جلوساً ووقوفاً لمشاهدة الفيلم الأول (السهم والشعلة) فيلم المغامرات الذي صنع شهرة بطله الممثل برت لانكستر. عادةً كان أي فيلم يُعرض لأيام ثلاثة أو أكثر بقليل ولعرضين يومياً خلال فترة ما بعد الظهر فقط ثم أُضيفت حفلة صباحية قبل الظهر في السنوات العشر الأخيرة. هنالك أفلام تجاوزت أيام عرضها الأسبوع أو عشرة أيام بحسب الإقبال الجماهيري عليها. أتذكر الفيلم التسجيلي (كفر قاسم) للمخرج برهان علوية، وكيف اصطففنا تلاميذ المدارس أفواجاً أفواجاً لحضوره، وأيضاً كان الإقبال كبيراً على فيلم (الفهد) لأديب قدورة وإغراء وعلى فيلم (خلي بالك من زوزو) لسعاد حسني وحسين فهمي، وفيلم عمر المختار لمخرجه الراحل عمر المختار. حيث غصت القاعة بالمشاهدين أثناء عرضها. بلغ عدد مقاعد السينما (338) مقعداً. أُقيم أول عرض مسرحي على مسرح السينما عام 1969بدعوة من نادي السقيلبية الرياضي الذي أعطى للفنون دوراً هاماً في البلدة إلى جانب الرياضة. ثم جاءت العروض المسرحية والحفلات الموسيقية تتوالى من حلب ودمشق ومرةً من مصر أيضاً، وعلى مسرح السينما أقيم عام1974 مهرجان تضامني مع الشعب الكوري لأجل إجلاء القوات الأمريكية من جنوب كوريا، حيث استقبل الأهالي وفداً من خبراء كوريين كانوا يعملون في المنطقة واحتفت بهم. كان للسينما طقساً خاصاً مميزاً وكانت الفرجة ذات فرادة ودهشة قلما رأيناها في أيامنا هذه في احتفالية اجتماعية أو ثقافية حيث استقطبت جمهوراً من الأهالي أفراداً وجماعات وتوافدت الأُسر السقيلباوية على حفلات الساعة التاسعة مساءً بشكل منتظم لتأخذ مكانها في الطابق العلوي (البلكون) وكثيراً ما نفذت البطاقات قبل موعدها.

    باتت زيارة السينما لمن يعلن خطوبته على إحدى الصبايا تقليداً عاماً متعارفاً عليه في البلدة، حيث يدعو العريس خطيبته وذويها وصديقاتها، إلى حضور فيلماً، بعد انتهاء مراسم الخطوبة. بقيت السينما تعمل بشكل جيد حتى بداية الثمانينات من القرن الماضي، وشيئاً فشياً بدأ بريقها يخف ووهجها يخبو، للأسباب المعروفة للجميع. إلى أن لفظت أنفاسها نهائياً منتصف الثمانينات بالرغم من المحاولات الحثيثة لرفدها بنسخ جديدة من الأفلام، وتطوير أساسها وديكورها دون جدوى، حيث العزوف عن حضور أفلامها بات يقلق صاحبها، فما كان منه إلا أن أخلاها وباعها ومن المؤكد أن كثيرين من الأهالي يتحسرون على تلك الأيام كلما مروا بأطلالها، وكلما شاهدوا اللوحة المكتوبة على بابها اليوم حيث (مفروشات الأماني) حلت مكان (سينما دنيا).

    هذه السينما التي أسسها أصحابها برؤية حضارية، عميقة بعيدة المدى ستبقى في الذاكرة منارة بارزة في تاريخ هذه المنطقة ونقطة تحول هامة في أوساطها الاجتماعية والثقافية.

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات
    نشر في: الأربعاء 21 أكتوبر 2009 @ 09:10

اكتب تعليق