• 21أكتوبر

    بقلم غيث العبد الله

    “لقاء لا يُنسى أبداً.. الأشياء الجميلة جداً تنتهي.. النهايات أحياناً جميلة جداً، مثل البدايات. لذلك لا بد من النهاية”.

    بهذه العبارة المؤثرة ختم الشاعر الكبير أدونيس لقاؤه مع بعض مثقفي مدينة السقيلبية قبل أيام.

    ست ساعات من الحوار في الفكر والفلسفة والشعر والفن قضيناها معه ومرت كومضة شعرِ، كبرقِ خاطف.

    هي لم تكن كافية أبداً لأيٍ منا ليرتوي، ففي حضرة هذا الكوني الجميل لا بد أن يستعير واحدنا عيوناً أخرى وآذاناً أخرى وخيالاً آخر كي يقبض على مفتاح أسرار الجمال الأدونيسي.

    كعطر امرأة نعشقها، مرت تلك الساعات، لكنها ستبقى في الذاكرة على مدى السنين، وسُنخبر أجيالنا بأنّ أدونيس زارنا في السقيلبية فأضاء بقنديله ليلها الصيفي بالشعر وبالفرح والحنين.

    بدأ زيارته بإطلالة شاعرية من على تلة “سلطانة” ليشهد غروب الشمس خلف الجبال الساحلية، وعلى مدى ناظريه يضج سهل الغاب بالعطاء، وفي اتساعِ ملون.

    عرجّ مع مستقبليه ليزور المدينة القديمة. مشى في أزقتها، وشاهد ما بقي من بيوتها الطينية، ومن هناك من تل “الشمالا” تسنى له أن يلمح أطلال مدينة أفاميا، جارتنا.

    عندما مرّ بكنيسة السقيلبية القديمة المشيدة عام 1891 أفصح عن رغبته في رؤية أيقوناتها التي تعود إلى القرن التاسع عشر، فأبدى إعجابه بما رآه.

    في المدخل إلى مكان الحوار، استقبلته ثلاث طفلات، بضمة من قمح السقيلبية، وانشدت له إحداهن ذات الستة سنوات نشيد “بلاد العرب أوطاني”. صفق لها ومن ثم انحنى بتواضع الكبار وقبلها.

    أجاب على أسئلة محاوريه وأوضح رأيه في قضايا شائكة، وتصريحات طازجة له، كانت قد تناولتها وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة. تحدث عن تجربته في الكتابة وفي الحياة، معطياً أهمية كبيرة للتشكيل العربي ومعتبراً بحسب رأيه أنه (أي الفن التشكيلي) يتصدر وحده فقط أنواع الفنون والآداب العربية في بلوغه العالمية في بعض أسمائه.

    بعد انتهاء اللقاء الحواري بعيد منتصف الليل، وحين همّ بمغادرة المكان، توجهتُ إليه بسؤال مسبوق باعتذار لسذاجة السؤال.

    قلت له: كيف وصلتَ إلى العالمية؟.

    رد قائلاً:

    “العالمية أنك تنزل أعمق أعمق إلى نفسك.. إحفر واهبط عميقاً في نفسك، تصل العالم.

    العالم ليس جغرافيا، بل هبوط في أعماق ذاتك”.

    شكراً أدونيس لحضورك بيننا.

    ……………..

    غيث العبدالله

    السقيلبية- آب 2009

    http://ghaith-a.com

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات
    نشر في: الأربعاء 21 أكتوبر 2009 @ 10:10

اكتب تعليق