سليمان يوسف يوسف ـ كلنا شركاء
سؤال، بدأ يشغل المهتمين بمستقبل “الديانة المسيحية” في هذه المنطقة التي فيها ظهرت ومنها انتشرت رسالتها التي تدعو الى “السلام العالمي”، مثلما يشغل الأوساط، الثقافية والسياسية والشعبية، المسيحية المشرقية. قد يرى البعض في هذا التساؤل تأجيجاً لمشاعر وحساسيات دينية، شعوب المنطقة بغنى عنها؟. وربما البعض الآخر يرى فيه مبالغة كبيرة لقضية مسيحيي المشرق واثارة غير مبررة لمشكلة غير موجودة بالأصل؟. لأن مجرد طرح الموضوع من هذه الزاوية يعني ثمة شكوك بالمسلمين وبرغبتهم في بقاء واستمرار المسيحيين بينهم!.
لكن من وجهة نظر مسيحية، أرى أنه سؤال مشروع ومبرر ومنطقي، يفرض نفسه لأكثر من سبب وسبب في أي حديث أو نقاش يتناول قضية مسيحيي المشرق، التي ترتبط بشكل وثيق بقاعدة “اللامساواة الدينية” التي جاء بها الاسلام، أكثر من كونها قضية سياسية تتعلق بطبيعة الحكم والنظم السياسية القائمة.
فرغم الأوضاع الصعبة والتحديات الخطيرة التي تحيط بمسيحيي المشرق، تفضل غالبيتهم الساحقة البقاء والعيش في كنف أوطانهم التاريخية ومهد ديانتهم مع أبناء عمومتهم المسلمين في اطار الشراكة الوطنية الحقيقية وعلى قاعدة المساواة التامة بالحقوق والوجبات. لكن هذه الرغبة المسيحية مازالت تصطدم بـ”جدار الرفض الاسلامي” لمساواة المسيحي وغير المسلم بالمسلم. هذا الجدار يرتكز بشكل أساسي الى “الشرع الاسلامي” الذي يشكل البيئة الاجتماعية والثقافية والاطار القانوني للانتقاص من حقوق المسيحيين وغير المسلمين عموماً. في هذا المناخ الطائفي المنحاز للانسان المسلم تكرس مفهوم الأقلية والأغلبية وتعمقت التمايزات داخل المجتمع الواحد، وانحسر الوجود المسيحي وتقلص في بعض الدول المشرقية الى مستويات باتت تبعث على القلق والخوف، بعد أن كانت تشكل مركز الثقل المسيحي في المشرق (فلسطين،تركيا،العراق).
أكثر التقديرات تفاؤلاً تقدر تعداد المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط اليوم بنحو 15% من النسبة الاجمالية للسكان، أي نحو 15 مليون مسيحي، غالبيتهم في مصر والبقية في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين الأردن. ومع تراجع القوى الديمقراطية وانحسار التيارات العلمانية والليبرالية في المجتمعات المشرقية، وصعود “الاسلام السياسي” الساعي لاقامة “الدولة الاسلامية” والحكم وفق الشرع الاسلامي، تبقى أوضاع المسيحيين المشرقيين مرشحة لمزيد من التعقيد والتأزم. وستشهد المنطقة المزيد من الهجرات المسيحية والهروب باتجاه الغرب، حيث الأمان والاستقرار والحريات وفرص العمل، لطالما هم غير قادرين على تصحيح أوضاعهم والزام المسلمين على القبول وتطبيق مبدأ “الدين لله والوطن للجميع”، وعلى التحول الى الدولة المدنية الحديثة.
بموازاة استمرار حكومات وسلطات الدول العربية والاسلامية في سياسة التهميش والاضطهاد السياسي والثقافي والديني لمواطنيها المسيحيين، تتصاعد عمليات العنف والاعتداءات المنظمة ضد المسيحيين في الكثير من هذه الدول من قبل الجماعات والتنظيمات الاسلامية المتشددة. في العراق الديمقراطي، ما يتعرض له المسيحيون يرقى بنظر منظمات وهيئات دولية الى مستوى “التطهير الديني والعرقي”. في مصر، المحكومة من قبل نظام قوي ممسك بالدولة والمجتمع بقبضة من حديد، تجده متساهلاً وبدرجة كبيرة مع الجماعات الاسلامية المتطرفة التي تستهدف الأقباط المسيحيين الآمنين وتعتدي على حياتهم وممتلكاتهم ومقدساتهم.
كل هذا يحصل في ظل صمت عربي واسلامي، رسمي وشعبي ونخبوي، وكأن الجميع تخلوا عن المسيحيين ومتفقون على ما يحصل لهم من تعديات ومظالم. في حين تستنفر كل الأقلام ووسائل الاعلام والمنظمات الحكومية والمدنية والأهلية والمرجعيات الدينية في المنطقة العربية والاسلامية، كلما حصل اعتداء على “مغترب أو لاجئ مسلم” في دولة أوربية غربية، لجأ اليها هرباً من ظلم حكام بلده، أو بحثاً عن فرصة عمل عجزت أوطانه توفيرها له. مثلما حصل مؤخراً في جريمة مقتل “مروة الشربيني” المصرية، على يد متطرف ألماني.
لا ننفي وجود رغبة لدى الكثير من المسلمين ببقاء المسيحيين بينهم في هذه المنطقة. لكن هذه الرغبة الاسلامية هي دوماً مشروطة بأن يقبل المسيحي بأن يكون مواطناً من الدرجة الثانية أو الثالثة والعيش على هامش المجتمع الاسلامي “ذمياً” على صعيد الحقوق الدينية والمدنية. حيث،تعتبر الشريعة الاسلامية مصدر اساسي للتشريع في معظم الدول العربية والاسلامية، خاصة في فيما يخص الحكم والحقوق الدينية وقوانين الأحوال الشخصية والمدنية. ففي سوريا رغم أنها من الدول التي تتميز بـ”التسامح الديني” أعد مؤخراً “قانون جديد للأحوال الشخصية” يعيد سوريا قرون الى الوراء، فيما يخص حقوق المرأة والأقليات الدينية. أنه قانون يتوافق مع توجهات “الأصولية الاسلامية”- التي تغلغلت الى مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة السورية- ومشروعها الظلامي التكفيري ويتعارض كلياً مع مشروع تحديث سوريا وتطويرها. وقد علقت الكاتبة السورية (منى غانم) في مقال – نشر في كلنا شركاء-على القانون الجديد بالقول: ” للقانون شق ذو أبعاد سياسية في غاية الخطورة تهدد التركيبة الاجتماعية والدينية المتوازنة في سوريا والتي طالما تغنى بها السوريون. لعل تنفيذ مشروع القانون هذا إذا ما قدر له الإصدار سيكون نقطة تحول في تاريخ ألأديان في هذه المنطقة من العالم. وتتساءل غانم: هل هذا المشروع محاولة لدمج سورية في منظومة عولمة الأصولية والتي اكتسحت العالم في نهايات القرن الماضي وكانت النساء والأقليات ضحيتها الأولى في بلدان مختلفة؟ أم أنه محاولة انقلاب داخلية على كل التطور الاجتماعي الذي شهدته سورية منذ سبعينيات القرن الماضي؟. وتضيف: هذا المشروع مهم لأنه إذا صدر ستصبح سورية بلدا آخر لا يشبه معظم السوريين وستكون النساء والأقليات كبش المحرقة”.
بحكم وضعهم الأقلوي، يتطلع “مسيحيو المشرق” الى تحول مجتمعات المنطقة نحو العلمانية والقيم الليبرالية والانتقال الى الدولة “المدنية الحديثة- دولة القانون”، دولة الحق والعدالة، لأنها الضمانة الوحيدة لبقائهم واستمرارهم في أوطانهم. لكن مثل هذه الدولة مازالت غائبة وبعيدة عن منطقتنا. دولنا مجرد امارات واقطاعيات وجمهوريات مملوكية، تتشابه في نظامها الاجتماعي والثقافي والسياسي. الهاجس الأول للحكام هو “السلطة”، والأولوية بالنسبة لغالبية الشعوب هي لرابطة الدم واحترام أخلاق العشيرة وقيم القبلية، حيث لا معنى للوطنية ولا مكانة للمواطنة. بمعنى آخر مازالت دول المشرق العربي الاسلامي في مرحلة ما قبل الدولة وخارج التاريخ السياسي والمدني للعالم المعاصر. لهذا، تبدو فرصة بقاء مسيحيي المشرق واستمرارهم في أوطانهم ضعيفة جداً، وربما معدومة، اذا ما بقيت أوضاعهم على ما هي عليه اليوم، من حرمان واضطهاد وتهميش، وما لم يغير “الراي العام الاسلامي” نظرته الى المسيحي من نظرة “مشرك بالله”، غير مرغوب به، الى “شريك بالوطن” مرحب به. لأن لا يمكن الحديث عن “الشراكة الوطنية” والقول “كلنا شركاء في الوطن ” من دون مساواة تامة في حقوق المواطنة.
قطعاً، طرحنا لقضية مسيحيي المشرق من هذه النظرة التشاؤمية، ليس الهدف منه زرع اليأس واشاعة الاحباط في النفوس، وانما لدق “ناقوس” الخطر ولفت أنظار العالم لمخاطر اندثار المسيحية من هذا المشرق. ولحث جميع المعنيين بهذه القضية الحساسة، من المسلمين والمسيحيين، في الغرب والشرق، على التحرك والعمل السريع قبل فوات الأوان من أجل بقاء وازدهار الديانة المسيحية في هذا المشرق الذي فيه ظهرت ومنه انتشرت الى بقية أنحاء العالم. لأن اندثار المسيحية المشرقية وتلاشيها، يعني بالضرورة نهاية شعوب مشرقية قديمة وأصيلة، تركت بصماتها على مجمل الحضارة الانسانية، مثل الآشوريين، بمذاهبهم السريانية الكاثوليكية والأرثوذكسية المختلفة، والأقباط المصريين، أحفاد الفراعنة، فضلاً عن أن المسيحيين العرب ومسيحيي المشرق عموماً لعبوا في العصور الحديث دوراً ريادياً ومهماً في حياة المنطقة وشعوبها على صعيد التنوير الفكري والثقافي والازدهار الاقتصادي. ثم أن تلاشي المسيحية من هذه المنطقة يعني فقدان وخسارة العرب والمسلمين لأحد أهم عناصر وروافد ثقافتهم وحضارتهم.
أخيراً: اعتقد بأن الحكومات العربية والاسلامية هي ليست بعاجزة عن القيام بمبادرات عملية ووضع خطط وبرامج مستقبلية من شأنها تعزيز الوجود المسيحي وازدهاره اذا هي أرادت ذلك حقاً، مثل:
- تشكيل وزارة خاصة في كل دولة عربية واسلامية، تعنى بشؤون المسيحيين لديها وتتتبع مشكلاتهم وقضاياهم واتخاذ اجراءات عقابية وقانونية رادعة بحق كل من يتعدى على مواطنين مسيحيين ويستهدفهم.
- تمثيل المسيحيين في مختلف السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية (بغض النظر عن تعدادهم) كذلك في مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية والأمنية، ومنحهم وزارات أساسية ومناصب سيادية لتعزيز دورهم ومشاركتهم في ادارة البلاد.
- اعادة الاعتبار الى ثقافة الشعوب المسيحية من غير العرب، مثل الأقباط والآشوريين (سريان/كلدان) والأرمن، وتعزيز هويتها كجزء أساسي من الهوية الوطنية ومنحها حقوقاً ثقافية و”ادارة ذاتية” للمناطق التي تقطنها غالبية مسيحية). جدير بالذكر، أن بعض الدول، مثل كندا واستراليا، منحت ” الشعوب الأصيلة” لديها، بعض الامتيازات، الاقتصادية والثقافية والسياسية، لأجل الحفاظ على تلك الشعوب الأصيلة المهددة بالاندثار والتلاشي.
* سليمان يوسف يوسف مهتم بقضايا الأقليات










2 تعليقات
السبت 28 نوفمبر 2009 @ 10:43 ص
اقتباس :
(لكن من وجهة نظر مسيحية، أرى أنه سؤال مشروع ومبرر ومنطقي، يفرض نفسه لأكثر من سبب وسبب في أي حديث أو نقاش يتناول قضية مسيحيي المشرق، التي ترتبط بشكل وثيق بقاعدة “اللامساواة الدينية” التي جاء بها الاسلام، أكثر من كونها قضية سياسية تتعلق بطبيعة الحكم والنظم السياسية القائمة.)
*******************
لاأختلف مع الكاتب على غالبية ماجاء بالمقال ولكنني رغبت بالتعليق على هذه النقطة بالذات .
- إن الإسلام في أساسه وأصله لم يأت ِ على الإطلاق بقاعدة ” اللامساواة الدينية ” ومن اطلع على القرآن الكريم الذي يعتبر المرجع لكل مسلم يتأكد له مدى التكريم للسيد المسيح وللعذراء مريم وهذا التكريم لم يحظى به أي نبي من ذكرهم القرآن وبالتالي فإنه لاتمييز لكل من يؤمن بالسيد المسيح والعذرائ مريم أمه التي صنفها الاسلام من أشرف نساء العالمين .
المشكلة في تحريف الاسلام واستغلاله لمصالح سياسية ومصالح من الطبقة الحاكمة عبر التاريخ بحيث تكرست المفاهيم المنحرفة الخاطئة على حساب المفاهيم المنطقية السليمة .
هناك لعبة قذرة ودولية تستهدف مسيحيي المنطقة تحديدا ً وتساهم فيها قوى من داخل المنطقة تبث الحقد والكراهية والتشدد باسم الإسلام وهؤلاء لاعلاقة لهم بالاسلام من قريب أو بعيد مهما تعالت أصواتهم وصرخوا وشقوا الثياب ويمكنني أن أجزم أنهم متشبعين بثقافة التلمود اليهودي الصهيوني الذي ينضح بالكراهية والحقد على كل مسيحي بدءا ً من السيد المسيح وأمه العذراء مريم حيث يصفهم بأقبح واقذع النعوت .
المسيحيون في هذه المنطقة هم الأصل والمسيحية انتشرت قبل الاسلام المحمدي بخمسمائة سنة وقد احتضنها العرب لأن المسيح عليه السلام من أبناء المنطقة ولم يصلها من منطقة أخرى في هذا العالم .. وعلينا ألا ننسى أن ورقة بن نوفل بطريرك الجزيرة هو من أبناء عمومة النبي محمد لقصي وأنه عم السيدة خديجة والتي خطبها الرسول منه .. ولاننسى أن جبلة بن الإيهم المسيحي العربي قد انحاز ومن معه في فتح دمشق لأبناء عمومته المسلمين وقدموا سبعة آلاف شهيد .. ولاننسى أن الغساسنة والمناذرة هم عشائر عربية أصيلة مسيحية .. كانوا يحظون باحترام من النبي الكريم .
ولاننسى أن راهب بصرى ( بحيراء ) المسيحي العربي قد تعرف على النبي وكان مايزال في التاسعة من عمره برفقة حده وحذر جده عليه من اليهود .
- إن مانراه اليوم هو مخطط صهيوني قذر وإن كل منخرط في هذا المخطط سواء عن قصد أو عن غير قصد هو تابع للصهاينة يستهدف بالنتيجة الاعتراف بدولة يهودية في فلسطين المحتلة مقابل دول تزعم الاسلام خالية من مكونها الأصلي المسيحي العربي . وهذه هي الحقيقة التي تدفع اليها المنطقة دفعا ً عبر نشر التشدد الغبي الأحمق والذي في أصله مرتبط وعميل .
هذه هي حقيقة الأمور . وللحديث صلة
السبت 28 نوفمبر 2009 @ 11:10 ص
ألم يخطر على بال أحد أن يتساءل التالي :
الصهاينة في فلسطين كانوا ومازالوا يمارسون الضغط على المسيحيين في فلسطين حتى هاجروا وتقلصت أعدادهم الى نسبة لم تعد تذكر احصائيا ً .. بنفس الوقت وبالمقابل كانت القوى المتشددة التكفيرية تضغط بالمقابل وتسيء الى المسيحيين وتكفرهم بقصد اخلاء المنطقة منهم .. والعراق شاهد على مايحدث للمسيحيين بالتعاون بين القوى المتشددة والصهاينة وعملائهم .. حتى في لبنان حيث انخرطت بعض القوى المسيحية في المخطط نفسه بالتعاون مع القوى المتشددة .. ألم يتساءل أحد كيف يمكن لسمير جعجع أن يتحالف مع المتشددين التكفيريين ويدافع عنهم ..؟!! أليس الموجه لهؤلاء واحد .. كيف يتبادلون التعصب ويتفقون ..؟!!
من خرجوا علينا في سورية بمشروع قانون الأحوال الشخصية المرفوض يجب أن يحاسبوا ويسألوا عن غايتهم وهل هم يدافعون عن الاسلام حقيقة ..؟!!
الدين لله والوطن للجميع وكل ومايعتقد فالنتيجة كل وحسابه على الله لو كانوا يؤمنون بالله حقيقة ً ولا يسيسون الدين ..؟!!
بين تسييس الدين وتديين السياسة تدخل هذه الشعوب في المزيد من المتاهات والضياع وتتسرب من بين أصابعها الأرض والكرامة بينما هم يتقاتلون على السماء والنتيجة لادنيا ولاسماء ..؟
تحياتي .
اكتب تعليق