• 19ديسمبر

    رغد البني – أبيض وأسود

    قالت والغضب يملأ صدرها: (كنت جالسة بأمان الله، تتجاذبني الأفكار وفي رأسي ألف هم، أحسست بشيء يلامس صدري ويضغط عليه، التفت بردة فعل سريعة لأرى يداً ذكورية سُحبت بسرعة أما صاحبها فادّعى عدم الانتباه).

    ما حدث مع الفتاة (ر.ك) في (الميكرو) هو أبسط أنواع التحرش الذي تتعرض له فتيات كثر والقصص على ذلك متنوعة، لكن ردة فعل الفتاة هي المختلفة في كل مرة، فبعضهن صغيرات يمتلكن من الضعف ما يكفي لسكوتهن، ويكتفين بالابتعاد عن الشاب الذي يجلس إلى جانبهن ويأخذن عشر المقعد بينما يستفرد هو بالباقي، أما الجريئات منهم فتعلو أصواتهن، وقد يصل بهن الانفعال لضرب الشاب و(مسح الأرض بكرامته).

    قالت إحداهن لدى جلوس فتاة إلى جانبها بالسرفيس: (الحمد لله أن شاباً لم يجلس إلى جانبي، بالعادة أحشر كنملة على المقعد، وأكاد أخرج من النافذة، وأنا أتحاشى الوحش الذي يحاول النيل من جسدي، ولا أجرؤ على فضح نفسي أمام الناس، فإما أن أسكت والدمعة في عيني أو أنزل من الميكرو).

    ومن هنا فعلى الفتاة أن تكون متوجسة دوماً وحذرة من أي اعتداء قد يطالها من كافة الجهات، أمامها أو جانبها أو خلفها، وكثيراً ما يحصل أن تنسلّ أيدي بعض الشبان الشواذ إلى الفراغ الكائن بين المقعد والمسند لتلمس جسد الفتاة الجالسة أمامهم.

    وحقيقة فإن الوضع في باصات النقل الداخلي ليس أفضل حالاً بكل تأكيد بل أشد مرارةً، حيث أن قلّتها وتأخر مجيئها يجبر حتى ذوات الكعوب العالية على اعتلائها بل وتحمل سوقية الكثيرين، فالكل سواسية في هذا الصرح المستورد، وبالطبع فإن موضة أن يترك الرجل مكانه للفتاة بطلت وصارت طي النسيان، والحجة: أن النساء يطلبن المساواة مع الرجال فليتحملن المسؤولية.

    ادّعى أحدهم وعلى مرأى من أعين الجميع، أنه يريد إبعاد الصبية عن الازدحام في أول الباص ويحفظها من (تدفيش) الرجال فقال لها: (تقدمي إلى هنا)، (أي إلى جانبه) قد تقعين في المقدمة ونفذت المسكينة ما قال، فما كان منه إلا أن أستغل انشغالها بتثبيت جسدها على الباص المرتج، وتلمس بيديه قسماً من جسدها، وحينما شعرت أقامت الدنيا، ولم تقعدها على رأسه، لكنه هرب مستغلاً توقف الباص لإنزال أحد الركاب.

    مئات الحالات مثل التي ذكرت بل وأقسى منها تتكرر يومياً، وربما يندر أن تصعد فتاة لباص نقل داخلي أو (سرفيس) عادي إلا وتتعرض لتحرش معين، وكثيراً من السائقين يعلمون هذا الأمر حتى أن قلة منهم يلصقون لائحة على جدران (الميكرو) تقول: (لا تتحرش بالفتاة الجالسة إلى جانبك، حتى لا ينتقم الله منك في أختك).

    كما قال سائق (سرفيس) آخر لفتاة صعدت معه هرباً من لحاق شاب لها في الشارع: (هذا الرجل معروف بوساخته في منطقة البرامكة، يصعد في أي “سرفيس ” دون الالتفات لوجهته، مقابل أن يتحرش بفتاة).

    غالباً نعزو هذه التصرفات الشاذة إلى ضعف التربية الأسرية وقلة الوعي أو الكبت الشديد، وبالنتيجة فإن الشاب ينزل كطاووس من أي وسيلة نقل بعد أن يتحرش بالفتاة دون أن (ينتخي) أحدٌ ويؤازر المعتدى عليها مهما علا صوتها، والكل يقول في سريرته: (لا دخل لنا الحق على الفتاة دوماً، لو أنها حفظت نفسها لما تجرأ أحد عليها) وتكثر الفلسفات والتحليلات المعبرة عن الضعف النفسي وانعدام النخوة، سقى الله أيام الخليفة العباسي المعتصم بالله، حينما نكل بالذي اعتدى على امرأة لمجرد أنها استنجدت (وامعتصماه) أليس فينا معتصمٌ جديد؟.

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات
    نشر في: السبت 19 ديسمبر 2009 @ 01:12

اكتب تعليق