• 23ديسمبر

    أُبيّ حسن

    يمكن القول إن قلّة من الشباب السوري اليوم, كانت ستسمع باسم الرئيس الراحل أمين الحافظ, الذي توفاه الله 17 الجاري, لو لم يُعامل نسبياً –بتوجيه رئاسي- باعتباره رئيساً أسبق لسوريا.

    يتفق الكثيرون ممن عاصروا فترة حكم الراحل أمين الحافظ, أنه كان “زكرتياً” وفق المفهوم الشائع والإيجابي للكلمة, لكنه لم يكن رجل دولة وسياسة. ويذكر نبيل الشويري عنه (في حواره مع صقر أبو فخر), عقب الحديث عن مناقبيته وأخلاقيته التي لا تسمح له الغدر برفاقه, والوفاء الشديد لهم, بما معناه: “يصلح أن يكون صهراً لأحدنا, لكن لا يصلح لقيادة دولة”.

    أول مرة أرى فيها أمين الحافظ, بالصوت والصورة, عندما استضافه “الإخواني” أحمد منصور في برنامجه “شاهد على العصر”, على فضائية الجزيرة, مطلع هذا القرن. قيل الكثير من السلب في تلك الحلقات التي بثتها الجزيرة, حتى أني سمعتُ أكثر من شخص يقول في حق الحافظ, سنتذاك: “بخجل انو كان رئيس سوريا”, وقد يكونون معذورين في هذا, خاصة إذا ما تفقنا أن الرجل لم يكن رجل سياسة ودولة. وبعبارة أخرى, نعتقد أن الحافظ لم يكن موفقاً في تلك الحلقات بمجملها, لكن حضوره فيها تقاطع مع الرأي القائل بأن “أبو عبدو” يصلح أن يكون صهراً لا سياسياً ورجل دولة, فهو “زكرت” و”قبضاي”.

    أكثر ما لفت انتباهي في تلك الحلقات, هو الوطنية السوريّة الصادقة للراحل أمين الحافظ, وتساميه على الجراح الشخصيّة في أكثر من موضع. ففي إحدى إطلالته التي نعني, أكد مراراً أن المظاهرات التي كانت تتم في سوريا ضد الفرنسيين إبان احتلالهم للبلاد, كان يقودها المسيحيون والمسلمون على حد سواء, مضيفاً إن الصلبان كانت تسبق الهلال في بعض المظاهرات. وأثناء تطرقه إلى حركة 23 شباط (معروف أن إحدى بناته أصيبت بعينها بشظية خلال تلك الحركة, ففقدتها إلى الأبد), كان يتحدث عن الراحل صلاح جديد من دون أية ضغائن شخصيّة, مثنياً على نظافة كفه ونزاهته, ولعمري هذا منتهى النبل والأخلاق من قبل الرئيس الحافظ.

    وما زلتُ أذكر, وربما غيري يذكر, جوابه على سؤال أحمد منصور عن حادثة “جامع السلطان” في مدينة حماه 1964, وان الذي قام بقصفه هو الضابط حمد عبيد (من محافظة السويداء) ردّاً على ما فعله أديب الشيشكلي في جبل العرب أواخر عهده بالحكم منتصف خمسينات القرن الماضي, بحسب قول أحمد منصور للحافظ. رفض الحافظ تلك المقولة جملة وتفصيلا, وعندما واجهه منصور بأن أكرم الحوراني من يذكر ذلك في مذكراته, قال له الحافظ: “مع احترامي لأكرم, أكرم نسيان”. وأضاف قائلا بالحرف: “أنا بعرف مين اللي عطى الأمر بذلك, وعيش مئة سنة لن أقول من هو الشخص, لكنه ليس حمد عبيد” . الدرس الذي يمكننا استخلاصه من إجابة الحافظ تلك هو: إن الرجل لا يريد إذكاء أي شكل من أشكال الضغائن والأحقاد الطائفية في البلد, فلو أقرّ مؤكداً ما رواه أكرم الحوراني, كأننا به يذكي في البلد ما نحن في غنى عنه؛ وهو بإنكاره لما رواه الحوراني, حتى لو كان الأخير صادقاً في قوله, فإنما هو يعمل على تعزيز الوحدة الوطنية السوريّة, من دون أن يطلب أحد منه هذا سوى ضميره الوطني الصادق.

    كان نصيب الرئيس الراحل حافظ الأسد, في هاتيك الحلقات, وافراً من نقد الحافظ, وكان نقداً لا يخلو من قسوة في بعض محطاته, قد يكون سببها عيشُ الحافظ في كنف النظام العراقي. بالرغم من ذلك, لا يسعنا إلا أننا نحترم ونكبر تجاوز الرئيس بشار الأسد عما هو شخصي في تلك القسوة, من خلال احتضانه للحافظ بعد 2003.

    نعم, لقد كانت لفتة جميلة من القيادة السورية, فبعد أن سقطت بغداد عام 2003, تجمع عشرات السوريين من ضمنهم الرئيس الراحل أمين الحافظ, على الحدود السوريّة- العراقية, مطالبين السماح لهم بدخول بلادهم, وكان لهم ما أرادوا, بل أن الرئيس أمين الحافظ عومل في سوريا, باعتباره رئيساً أسبق للبلاد, ضمن ما تسمح به الظروف السياسية السوريّة الراهنة, فقد خصصت له القيادة السوريّة منزلاً يليق برئيس سابق في حي “الفرقان” الراقي في حلب, وقيل انه حظي برعاية شخصيّة من الرئيس بشار الأسد طوال فترة مرضه.

    ما سمعناه, عن تلك المعاملة للحافظ, أفادنا بها أكثر من صديق حلبي منذ سنتين, وإن كانت أفادتني تلك المصادر أن الحافظ رفض الحديث في السياسة طوال وجوده في البلاد مؤخراً (على الأرجح بطلب من السلطات السوريّة, وربما لشعوره بالامتنان لجميل الاستقبال), وحسناً صنع الرجل الذي كان رجلاً بحق, لكنه لم يكن سياسياً قط.

    قد يكون أمين الحافظ, أول قيادي بعثي منفي خارج البلاد, من الذين كانوا على خصومة مع نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد, يُعاد إليه الاعتبار في عهد الرئيس بشار الأسد, ضمن المعقول. وإذا كان في إعادة الاعتبار لأمين الحافظ يُشير, من جملة ما يُشير, إلى إعادة الاعتبار إلى المنسي من تاريخ بلادنا كذلك, فمن الجميل والمناسب أن تكون وفاة الحافظ مناسبة جيدة بغية إعادة النظر في ماضينا وواقعنا كسوريين, لإجراء نقد ذاتي وموضوعي للجميع (سلطة, معارضة, منفيين, سجناء رأي… الخ), بغية طي صفحة الماضي بما له وبما عليه؛ فعدا أن كل بشرياً خطّاء, نعي أن تاريخنا ليس فردوساً, وهذا لا يعيبنا ولا يشيننا, بل هو فخر لنا طالما كان من صنعنا لا صنع غيرنا, والأهم هو قدرتنا على تجاوز السلبيات التي اعترت مسيرته..

    انطلاقاً مما سلف, لا يعيب النظام في سوريا, أن يعيد الاعتبار إلى جلّ رجالات سوريا المنفيين قسراً, وكذلك الأمر إلى من قضى نحبه منهم وهو في السجن, كصلاح جديد (1926- 1993), والرئيس نور الدين الأتاسي (1929-1992)الخ, و من توفاه الله ودفن بعيداً عن تراب بلاده, كالزعيم أكرم الحوراني (1911- 1996), ومعروف الدواليبي (1907- 2002) المدفون في البقيع في المدينة المنورة, والرئيس ناظم القدسي (1905- 1998) الذي أتاه الأجل في عمان.. الخ, على الرغم من الاختلاف الايديولوجي والسياسي بين بعض من ذكرنا ومن لم تسعفنا الذاكرة بذكر أسمائهم؛ فعلى الأقل, وإن اختلفنا سياسياً, فسوريا ومحبتنا لها تجمعنا؛ وإذا كانت ثقافة الماضي و”موضته”, تشدّ من ذكرنا من رجالات الماضي (ومن لم نذكر) نحو الإلغاء والاستقصاء, أفترض أن راهننا ينبغي أن يشدنا نحو المزيد من الصفح والإخاء.. إعادة الاعتبار إلى من نعني تكون, بتسمية شوارع وساحات ومدارس بأسماء من رحل من رجالات سوريا, مهما كانت درجة اختلافنا معهم كبيرة, وتكون كذلك بطي صفحة الماضي والسماح للمنفيين بالعودة إلى أهلهم وذويهم, وبخروج المعتقلين بأحكام جائرة من سجونهم.. فإعادة الاعتبار للتاريخ السوري, تتطلب تعاون الجميع, وتواضع الجميع, بعيداً عن الأحقاد الشخصيّة ولغة التشفي والثقافة الثأرية والكيديّة المتبادلة, التي لا تخلو منها بعض النفوس الضعيفة.. ورحم الله الرئيس الأسبق أمين الحافظ الذي قوبل نبله بنبل ينبغي أن يعمم لا أن يبقى انتقائياً.

    —————————–

    1- في اتصال هاتفي, مع الأستاذ مروان حبش, أفادني أن الذي أعطى الأمر بالقصف هو رئيس مجلس قيادة الثورة وأعضاء مجلس الرئاسة (بحسب تسميات ذلك العام). فقد توجّه, عام 1964, كل من الرئيس أمين الحافظ رئيس مجلس قيادة الثورة, ومحمد عمران عضو مجلس الرئاسة ونائب رئيس مجلس الوزراء, وصلاح جديد عضو مجلس الرئاسة ورئيس أركان الجيش, ونور الدين الأتاسي عضو مجلس الرئاسة ووزير الداخلية, إلى مدينة حماه, بهدف حل الخلاف الذي تسبب فيه الإخوان المسلمون بزعامة مروان حديد. وعندما حاولوا حلّ الموضوع سلمياً مع المشايخ ووجهاء مدينة حماه, فوجئوا بأن المعتصمين من الإسلاميين بزعامة مروان حديد, في جامع السلطان, يطلقون النار على المارين في الطريق, فأعطى مجلس قيادة الثورة الإذن للجيش بإطلاق النار.

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات
    نشر في: الأربعاء 23 ديسمبر 2009 @ 12:12

اكتب تعليق