• 24ديسمبر

    ميس نايف الكريدي ـ كلنا شركاء

    يأخذ النقاش حول أزمة الحريات, مساحة كبيرة, على ساحة السجال الفكري النخبوي العربي, وتظهر مشكلة المختلف على طول المنطقة العربية, فإذا اعتبرنا قبول المختلف من أهم قواعد إرساء الديمقراطية, تتضح لنا عمق الأزمة, لما تقدمه التشريعات الدينية, من حجج ودعامات غير قابلة للمراجعة أو النقد أو التعديل بحكم استنادها على النص الذي لايقبل التغيير أو التحريف, وضمن واقع الاستبداد الذي تمارسه الأنظمة العربية يتم إحكام الطوق على القوى السياسية والتقدمية, وفي ظل الظروف الخاصة للمنطقة العربية, وبوجود قوانين الطوارئ القائمة بذاتها في مواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي , تستمر فلسفة الثورة وقدسيتها , وهذا سلاح قد يكون ذو حدين .

    وإذا كنا سنقبل التحليل الذي أورده الدكتور حسن حنفي عن الجذور التاريخية لأزمة الحرية والديمقراطية , ونعتبر القوالب الذهنية المفروضة على المجتمع من خلال مجموعة التراكمات الحضارية التي ورثناها من المصادر المكتوبة , أو الشفهية , وتعيشها أجيالنا في الحاضر , هي المقيد الفعلي لحريتنا , لأننا لا نستطيع التجرد عن تلك الموروثات الجمعية المتحكمة بالبنى النفسية للشخصية العربية .

    وبالتالي فإن الانتساب للمذاهب المثالية , أو التوجهات التقدمية كالماركسية مثلا أو غيرها لم تنجح في السيطرة على هذا الموروث الفعال فينا المتحكم في حياتنا العامة , والغائب فقط في خطاباتنا الحزبية .

    ومما دعم واقع الجمود العربي , حالة العجز أمام النصوص , أو التصلب في عمليات تفسيرها بحيث يمكن أن تكون سلاحا يكفر كل من يخالفها, رغم أن نقد المجتمع هو الأساس الأولي لإعادة بنائه , ونقد المجتمع لا يمكن أن يتم إلا من خلال البدء بنقد التراث الديني .

    والمشكلة في التعامل مع قضية الدين اليوم , أن الآية التي تقول ((لا إكراه في الدين)), ((من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) ليست المعيار المطلق عند جميع المنضوين تحت هذا الفكر أو حتى المتعاطفين معه , ويبدو أن نبوءة الأفغاني عن الأحاديث وخطورة تناقلها بدون مرتكزات لصحتها وموضوعيتها تتحقق اليوم , من خلال الصورة التي يقدمها الإسلام السياسي للعالم عموما والتي تسببت بتأليب جزء كبير من الرأي العام الغربي على العرب , من خلال عدة ظواهر, مثل حادثة رسومات الدانمارك , وقصة المآذن السويسرية , وغيرها من ردات الفعل , او المؤامرات المخابراتية الأمريكية , وحكاية حرب الإرهاب, وبالتالي فإن الحديث الشريف الذي تحدث عن انقسام المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة , أتى في ثلاث صيغ , أخطرها الصيغة التي تقول كلهم في النار إلا واحدة, فهي بالتالي تعطي ذريعة إهلاك الفرق كلها وضلالها , والمهم هنا أن هذا الحديث , ومثله, تم استخدامها , بحيث أصبحت قوة سياسية قادرة, وبالمثل فإن هذه الطريقة أصبحت الشكل السياسي في التعامل مع الخصوم بأنواعها , فالحكومات والأنظمة تعامل المعارضة بهذا المفهوم , والقيادات الحزبية تعامل عناصرها المختلفين معها في رأي أو طرح كذلك , وسأستعير كلام الصديق الأستاذ جاد الكريم الجباعي حيث قال : كما الحركات الدينية تكفر , الأحزاب القومية تخون, وكما النص القرآني غير قابل للنقاش , يعتبر الماركسي مثلا مبادئه عقيدة ثابتة ممنوع المساس بها , وبالمثل القومي ,وجميعها تمارس الاستبداد , وبالتالي أصبح التعاطي مع المختلف دائما بوضعه في خندق العدو, وذلك لتسهيل القضاء عليه من خلال تجييش الجماهير ضده , من منظور ديني أو قومي أو عقائدي , فلكل قاعدة شعبية صيغة تدجين معينة , و طاقة حشد معينة .

    وبالرغم من أني أرفض السلفية في كل شيء إلا أن التركيز سيكون على الموروث الديني, في استمرارية لهذا العرض , حيث نجد ان الفكر الديني المختص في الدين وحسب هو فكر يهدف للجمود , والتقوقع وتجميد العقل , وامام حالة العجز عن انتقاد النص الشرعي , يظهر أن هذا التعاطي يمثل عملية تخدير العقل , وتحجيم طاقته الإبداعية , فالهجوم على العلوم العقلية كان سمة السلطات المدعومة دينيا, سواء في العالم العربي أو في عصور انحطاط أوربا , لأن الفكر الديني عموما يخسر سلطته طردا مع تقدم سلطة العلوم العقلية , وكما أحرقت الكنيسة عددا كبيرا من مفكربي أوربا في عصر ظلامها , لم تفلت الأمة التي كانت في أحسن حالات نهوضها زمام الفكر لآخره, وحفلت سجلاتها بالمتهمين بالزندقة , والإلحاد بين منفي ومقتول , ومنكل به, والغزالي كرس جهده للقضاء على الفلسفة في القرن الخامس الهجري , وتوجه نحو العلوم الصوفية , وبالإجماع على أن الفلسفة هي أداة التحول الحضاري , والانفتاح العقلي يظهر أن التصوف في تلك المرحلة كان في وجة تنوير العقل ., ومادام العقل لا يعمل فبالتالي يمكن تمرير كل الأساطير والأوهام , وخلق المحرمات والمقدسات , أو التابوات التي تعجز أمامها سلطة العقل , خوفا من تمترس القوات المدافعة عنها مجتمعة , في وجه هذا المختلف الذي يملكون سلفا الحجة في إصدار احكامهم القطعية التعسفية , التي اعتادوا تلقيها , والقضاء عليه مدعمومين بسلطة محرماتهم .

    في الواقع أن من المشكلات الهامة التي تعيق مسيرة التقدم أو النهوض الإنساني , والتحول الاجتماعي على كافة الأصعدة , هو انعدام التفكير العقلاني البناء , والميل نحو الوهم , والموروث الغيببي , وصحيح أن هذا الواقع جزء من فساد مجتمعي اقتصادي انعكس على الواقع السياسي , والذي بدوره انعكس على الواقع الاجتماعي تحقيقا لأهداف سياسية تعكس مصالح اقتصادية , إلا أن استمرار التفكير بأسلوب الثورة , وفرض المعادلات السياسية ,لم يعد مجديا , والتحول نحو مجتمع مدني حقيقي , هو مسؤولية الطبقات الواعية في المجتمع أولا, والتي تؤمن بحتمية التطور السلمي , وترفض العنف وتحاربه من أجل بناء الإنسان كمشروع اساسي للمواطن الواعي لقيمته الذاتية المحمي بمنظمات حقوقية , ومؤسسات , وقوانين , يحكمها ويحدد سيرها قضاء مستقل يكفل حرية الرأي والتعبير, والاجتماع , ومن هذه المنظومة المجتمعية الحضارية ستنطلق الإصلاحات على كل الأصعدة .

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات
    نشر في: الخميس 24 ديسمبر 2009 @ 03:12

اكتب تعليق