• 24ديسمبر

    حسن م. يوسف ـ الوطن

    قبل سنوات كتبت في دفتر ملاحظاتي الكلمات التالية:

    “مساحة ملعب كرة قدم من الغابات، تقطع في كل ثانية. في كل ثانيةٍ يأكل الجنين الوحشي الذي فينا، قطعة أخرى من المشيمة الخضراء التي تحمينا. التصحر الذي يأكل وجه الكرة الأرضية الآن، هو امتداد لتصحر أخطر، يأكل قلب الإنسان”!

    الشجرة التي تحتاج الطبيعة لعشرات الأعوام لتنشئتها، يقوم البشر بقطعها خلال دقيقة بوساطة وحوش معدنية، لا تقوم بقطع الشجرة وحدها بل تبيد كل المنظومات الحية المتكاملة فيها وحولها.

    الغابات ليست مجرد أشجار، إنها مكتبات حية قامت الطبيعة الخالدة بتأليف مجلداتها، على مدى ملايين السنين. ومع اغتيال الغابات تُباد منظومات حية متكاملة لا يعرف الإنسان عنها إلا القليل.

    قرأت مؤخراً بحثاً لأحد علماء البيئة عن نوع من النمل يبني أبراجه من الطين ويستطيع، عن طريق التحكم بمواقع وحجم فتحات التهوية، أن يحافظ على درجة حرارة ثابتة داخل خليته، بغض النظر عن طبيعة المناخ في الخارج ما يجعل هذا النوع من النمل أستاذاً عبقرياً لنا في مجال التدفئة والتبريد.

    سلوك البشر اللامسؤول إزاء الغابات وما فيها من معارف حية جعل أحد العلماء يشبه البشرية بشخص جاهل ورث مكتبة هائلة فقام بحرقها دون أن يقرأها!

    قبل مدة قرأت حكاية مستني، لذا أرويها لكم بطريقتي لقناعتي بأن الواجب الوحيد للكاتب إزاء الحكاية هو أن يمررها عبر قلبه بحيث يأخذ ملامحها وتأخذ ملامحه.

    لأنه كان محروق الفؤاد لرزقه وصل الصياد أبو حسن إلى شاطئ البحر قبل طلوع الضوء، وبينما كان جالساً على الشاطئ، وقعت يده على كيس قماشي، مدَّ يده داخل الكيس فوجده مليئاً بأجسام ظنها حجارة صغيرة جمعها أحدهم لاستخدامها في لعبة المنقلة.

    راح أبو حسن يخرج الحصيات من الكيس واحدة تلو أخرى ويقذفها في الماء وبما أن صوت ارتطام الحصيات بالماء قد راقه فقد واصل العملية إلى أن أطلت الشمس من خلف الأفق. لم يكن قد بقي في الكيس سوى حصاة واحدة، أخذها أبو حسن وهمَّ برميها لكنه شهق منبهراً عندما رأى أشعة الشمس الذهبية تنعكس عليها بشكل يخطف الأبصار، هكذا اكتشف الرجل أن الحصيات التي كان يتسلى برميها إلى البحر كانت من الألماس!

    بسبب الظلام الذي كان يحدق به افترض أبو حسن أن ما وقعت عليه يداه هو مجرد كيس من الحصى، وبسبب جهلنا نحن البشر نفترض أن الغابات مجرد أشجار، وأن أيامنا مجرد حصيات نتسلى برميها في بحر الحياة!

    التصنيفات: غير مصنف
    لا تعليقات
    نشر في: الخميس 24 ديسمبر 2009 @ 03:12

اكتب تعليق