من سلسلة رسائل إلى صديق همّني أمره
إلى صديقي العزيز…..، تحية وبعد.
رسالتي هذه محاولةٌ أتمنى أن تجدي صديقي نفعاً بإيقاظه من غفلة قد تدمر الكثير من قيَمه الشخصية.
أقول محاولة لأنها تميزت بأسلوب جديد عمّا هو متّبع بيننا من حوار نعالج به المهم من قضايانا، وكم أتمنى أن أكون موهوماً باستنتاجاتي غير السّارة، فأنا ألمح ما يشير إلى تصدّعٍ خطير في صرح شخصيتك، وسببُه تعاطيك السلوك المرفوض الذي لا يليق بك، وإن لم يتمّ الابتعاد عنه لابدّ وأن يؤدي بسمعتك إلى الحضيض.
لقد لجأت إلى هذا الجديد في أسلوبي علّه يلامس وجدانك ويسلّط الضوء على سريرتك التي تختزن سرّا من أسرارها بخصوصية حادة، سرٌ تميّز عن غيره من الأسرار عندك بافتقاره لمشروعية تساعد صاحبه الافتخار به فتراه ينطوي عليه حباً وتيما، بل وخجلاً وحياءً من افتضاحه.
تيماً لأنه عوّض به بعضاً من احتياجاته المفقودة، وخوفا منه أن يمس كبريائه ومثله. أقول كبريائه وأنا مصرُ على ذلك الكبرياء الذي اتسمت به شخصيته التي بناها في عقوده الستة شموخا بجبين عالٍ تلمح فيه الرجولة والمروءة والكرامة، وأما المثل فكنت أقرأها بوفرة في كتاباته وخواطره حِكماً وأدبا وأخلاق.
لقد كنت أستمتع بقراء كتاباته لكني كنت ألحظ عدم التوافق بين ما يكتب وبين ما يطبق، ومن هنا تشكل التصور عندي أنه يعيش شخصيتان، إحداها يسيّرها العقل وتتجلى بأعماله الكتابية، والثانية يسيّرها المزاج وتنعكس في معظم سلوكه الاجتماعي. وبناءً على هذا التصور لجأت لهذه المحاولة علّ صديقي يقرأها من خلال شخصيته الأولى.
ولابدّ أن أكون واضحاً مع صديقي برؤيتي لأزمته، وقد رأيت الضعف الذي اعتراه وأخلّ بتوازنه بسبب المفاجأة التي لم يحتملها، حين اجتاحت الرياح رابيته وعرتها من خضرتها الندية، وتعرّى بتعريتها فطوى وانزوى على ذاته، وبدلاً من أن ينهض ويعتني بإعادة الخضرة لغراس رابيته التي يطلّ منها إلى الأفق البعيد، ظلّ أسير أوهام الخيال المحبط الذي ساقه للأنس مع أحد أصدقائه في بستانه، واستعاض بفيء بستان صديقه عمّا افتقده في مناخ بستانه.
وتوطدت العلاقة وزالت الحواجز بين الأصدقاء، وبات الاستطراق إلى البستان مستمراً في كل الأوقات، وبات الصديق يستغلّ غياب صديقه ويقطف من ثمار البستان، وباتت آثار القطاف وروائحه تلفت الأنظار، فما كان بدّاً من التدخل والاستدراك، وكانت هذه الرسالة.
اقرأ المزيد »